• Ahmed Moharram

الإختبارات في COVID 19

الجزء الأول

كان عمري 13 عام حين قرأت أول قصة لتشارلز ديكنز، وكان من حسن حظي أن تكون القصة التي وقعت بين يدي آنذاك هي قصة (Great Expectations) لكن ما ذكَّرني بتشارلز ديكنز اليوم هو إسم قصته الأشهر (A tale of two cities)


فقد قررت قبل بضعة أيام أن أتحدث عن موضوع الاختبارات وقيمتها ودورها وما يرتبط بها من حكمة وأهداف، وما يترتب عليها من استنتاجات وأحكام. وبين الحكمة والأحكام طريق طويل. وكنت قد قررت أن أختار دولتين لهما ظروف متشابهه قبل الجائحة،

ثم أقوم بالمقارنة بينهما لأستعرض دور الاختبارات في إدارة الجائحة، وكيف يمكن أن يكون استخدامها سبيلاً لحفظ الأنفس، وكيف يكون مجرد إهدار في غير محله.

وشأنها شأن الكثير من الأفكار التي تعنُّ لي في القطار بين برلين وبوتسدام، فإن هذه الأفكار (في أغلبها) يدهسها في مهدها قطاراً آخر وهو المشاغل اليومية والمعلومات الجديدة المتواترة حول الجائحة.

إلا أن حديث الدكتور @biohussein اليوم حول موضوع الاختبارات ومحاولات Our World in Data لرسم خريطة عالمية توضح أعداد التحاليل مقارنة بعدد الحالات التي يتم التأكد من إصابتها أحيا بداخلي هذه الفكرة من جديد، فشكراً له على ذلك.

وكالعادة قبل أن نبدأ في دراسة أي موضوع يجب أن نعرف أولاً الهدف منه. فدعونا نسأل، لماذا تقوم الدول أصلاً بعمل الاختبارات؟ الفهم السائد هو إجراء الاختبار لمعرفة نوع المرض عند مريض يعاني من أعراض ونريد أن نتأكد إذا كان مصاباً بـ COVID19 ليتم علاجه بالطريقة المناسبة والعناية اللازمة

لكن فعلياً هناك 3 أنواع من الاختبارات التي يجب إجراءها طوال الوقت: أول نوع هو الاختبارات للأشخاص الذين يعانون أعراضاً ملتبسة وخطيرة أو الذين يعانون من أعراض بسيطة لكنهم يقعون ضمن الفئات الأكثر خطراً ككبار السن والمرضى بأمراض مزمن إلخ. وهذه تتم بعد التقييم المبدئي لكل حالة.

النوع الثاني هو الذي يستهدف الطواقم الطبية، وهذه الاختبارات يجب أن تتم بشكل دوري. وهي أشبه ما تكون بتعقيم أدوات الجراحة. لا يمكنك أن تجري جراحة بأدوات ملوثه، وكذلك لن يمكنك محاربة الفيروس لو لم تقم بإجراء إختبارات دورية على كل أفراد الطواقم الطبية.

يجب أن نفهم أن إصابة افراد الطاقم الطبي خطيرة جداً، لأنها أولاً تعني أنه سيكون مصدر عدوى لأشخاص هم بالأساس من الفئة الأكثر عرضه للمخاطر وبالتالي تزيد الوفيات. ولأن كل فرد من أفراد الطواقم الطبية هو جزء من درع أي دولة ضد الفيروس، وكل ثقب يجعل الدولة في خطر أكبر بكثير.

ثالث نوع من الاختبارت هو الاختبارات العشوائية. والتي لا تعتمد على وجود أعراض أو خطر على أشخاص بعينهم بقدر ما تعتمد على التوزيع الإحصائي للمواطنين سواء على النوع أو السن أو المدينة أو المهنة .. إلخ. وهناك نمطان (متوازيان) من التجارب العشوائية.

النمط الأول دوري (أسبوعي مثلاً) لاستطلاع الوضع العام وتطوره. وتشمل كل عينه فيه عدداً من الأشخاص يحدده الإحصائيون. هؤلاء الأشخاص يتم اختيارهم بشكل عشوائي من عدة مدن بناءً على توزيع الأعمار والنوع والنشاط والمدينة إلخ.

وطبعاً هذا بهدف اكتشاف التغير في معدلات الانتشار في المجتمع والتخطيط لما هو قادم ، سواء بزيادة المسحات في أماكن بعينها أو تخصيص الموارد الطبية لهذه المناطق استعداداً لانتشار قادم أو تجهيز مستشفيات ميدانية إلخ

والنمط الثاني هدفه الاستشراف المبكر لما يجب تغييره في سياسات النمط الأول. ويشمل عمل عينات عشوائية أكثر انحيازاً ولها هدف مختلف، هذه العينات يجب أن تشمل العاملين في تقديم خدمات مباشرة. مثال العاملين في محطات البنزين والسوبر ماركت والجزارات وبائعي الفاكهة والخضر وسائقي التاكسي ..

والحافلات وموظفي الاستقبال في الفنادق والبنوك والعاملين في الحكومة ممن يتواصلون بشكل يومي مع المواطنين أثناء الجائحة. الهدف من هذه العينة هو تطوير سياسات الاختبارات العشوائية ذاتها وهي مكافئة لاختبارات الصرف الصحي وإن كانت أكثر دقة إذا تم اختيار العينات بالشكل الصحيح.

فإذا وجدنا مثلاً أن معدل ظهور حالات بين العاملين بمحطات الوقود في مدينه أكثر من مدينة أخرى، ففي العينة التالية من اختبارت النط الأول يجب التركيز أكثر على هذه المدينة. وعلى الجانب الآخر، يعلم الكثيرون أن الاختبارات لها تكلفة

والاختبارات المتاحة في كل دولة محدودة عددياً. وبالتالي فإن استخدام الاختبارات يجب أن يكون استخداماً رشيداً. وفي نفس الوقت لا يجب الاقتصاد في إجراء الاختبارات لأن ذلك قد يؤدي إلى كارثة.

وكما أن اكتشاف المرضى الجدد مهم لحماية المجتمع فإن عدم اكتشاف مرضى بعد إجراء الكثير من الاختبارات هو مؤشر لانحسار المرض وعدم تغلغله في المجتمع. فإذا أجريت اختباراً لشخص وتبين أنه اختبار سلبي، فهذا يعني أنه حتى لحظة الاختبار لم يكن من الممكن التأكد من إيجابية نتيجته.

بمعنى أنه من الممكن أن يكون الشخص في بداية الإصابة ولا يمكن بعد إيجاد الحامض النووي في العينة أو المسحة. كذلك قد تكون نتيجة الاختبار خاطئة وهذا يحدث بنسبة ضئيلة تعتمد على عدة عوامل أهمها نوع الاختبار وكفاءته.

أخيراً يمكن أن يكون فعلاً غير مصاب ثم يخرج من العيادة أو المستشفى ليعود لمنزله ويلتقط الفيروس في الطريق. وبالتالي سيستلم نتيجة تقول أنه لم يُصَبْ (بعد) ويختلف تركيز الدولة على كل نوع من أنواع الفئات المستهدفة بحسب المستوى الذي وصلت له الجائحة في هذه الدولة

ففي كل الأوقات يجب أن تقوم كل دولة بالاختبارات من النوعين الأول (للمرضى) طوال الوقت والثاني (للأطباء) بشكل دوري. أما النوع الثالث بنمطيه فيختلف تركيزه بحسب المرحلة التي تمر بها الدولة من الجائحة. فإذا كانت الدولة في بداية التعامل مع الفيروس،

فتكون العينات العشوائية أقل تكراراً وبعدد أشخاص أقل وفي المدن الأكثر عرضه للخطر (كالمناطق السياحية مثلاً) وبالتركيز على النمط الثاني.

وإذا كانت الدولة قد تخطت مراحل البدايات (أي أن العدوى تحولت إلى العدوى المجتمعية فلا نستطيع أن نحدد من كان السبب في العدوى لكل شخص) فالعينات العشوائية يجب أن تزيد سواءً من ناحية عدد الأشخاص في كل عينة أو الفاصل الزمني بين العينات، كما يتم التركيز على النمط الثاني أكثر من الأول

في مرحلة ما بعد الموجة تنخفض تلقائياً الاختبارات للمرضى وينخفض تلقائياً معدل تكراها للأطباء وتنخفض العينات العشوائية من النمط الأول وتزيد من النط الثاني. أعتقد أن القارئ الكريم يستطيع الآن أن يشعر بأن كل شيء يمكن تفسيره في اتجاهين. كثرة الاختبارات مهمة والتبذير فيها بدون داعي خطأ

من هنا كانت ضرورة دراسة موضوع الاختبارت والاهتمام به ونشر المعلومات الواإحصائيات التي تبين قيمته وأثره ولعاقته بحسن إدارة الجائحة. في السلسلة التالية نكمل الموضوع بإذن الله.

الجزء الثاني

هذا هو الجزء الثاني من مجموعة السلاسل المتعلقة باستخدام الاختبارات كأداة لإدارة أزمة كورونا (بالنسبة للحكومات) واستخدام الاختبارات للحكم على جدية وجودة إدارة الأزمات (بالنسبة للباحثين) وهي استكمال لما كان قد بأ الدكتور @biohussein بالحديث عنه بالأمس

رابط السلسلة الأولى سيكون في آخر تغريدة. أما الآن فإن هذه السلسلة هي عرض لما هو متاح من المعلومات عن الاختبارات في Our world in data وكيفية فهم هذه الأرقام والمنحنيات التي يعرضونها وما خلفها من منطق. كالعادة سنركز على الدول التي تزيد فيها عدد الحالات عن ألف حالة.

أولاً وبسرعة، أغلب الدول (132 دولة) لا يوجد فيها تحديد لوحدات القياس. تظهر في الصورة التالية:


وبعض الدول رغم علمنا بأنها تقوم بالاختبارات لا توجد لها بيانات في هذا المصدر بالمناسبة. البيانات المتاحة عن الاختبارات من ناحية وحدة القياس هي على أربعة أوجه: 1-عدد الأشخاص الذين تم اختبارهم 2-عدد العينات التي تم جمعها 3-عدد الاختبارات التي تمت 4-بيانات غير واضحة

كل دولة يتم وصف بياناتها طوال الوقت بواحدة فقط من هذه الأوجه. عرضنا منها في صورة سابقة الدول التي لا تتوافر فيها وحدات واضحة بينما تقدم 38 دولة عدد الاختبارات (بغض النظر عن عدد الأشخاص الفعلي) تقدم 23 دولة الأعداد كأشخاص تم اختبارهم، وتقدم 14 دولة الأرقام باعتبارها عينات تم جمعها

الجدول التالي يوضح هذه الدول مرتبة أبجدياً لكل تصنيف من الثلاثة الأُوَل

ومن هذا الجدول نفهم مثلاً أن أمريكا لا تحدد أصلاً إذا كانت الأرقام التي يتم تقديمها بخصوص الاختبارات تمثل عدد الاختبارات أم عدد الأشخاص أم عدد العينات.

وبالتالي فلو أننا بصدد بحث علمي دقيق، لكان لزاماً علينا أن نعيد تصحيح الأرقام أولاً لنتمكن من مقارنة الدول/ فلا قيمة بحثية لمقارنة بين كندا وبين أمريكا مثلاً دونما تصحيح مقبول علمياً لوحدات القياس. وسنأتي على مناقشة ذلك في السلسلة الثالثة بإذن الله.

أما الآن فدعونا نناقش أعداد الاختبارات التي تم إجراؤها في مختلف الدول وكيف يمكننا تقييمها. وسنبدأ من وجهة نظر المستهلك، في حالتنا هذه المستهلك هو المواطن. والمواطن يتمنى الاطمئنان على نفسه وعلى ذويه. وكي يحدث ذلك فهو يبحث عن أمرين؛ الأمر الأول معدل الانتشار ونصيبه من الاختبار.

النقطة الأولى وهي معدل الانتشار هي الأمر الأوضح للجميع. فكلنا نتابع بشكل يومي نتائج الاختبارات. نعم، حتى وإن لم نكن نعلم أننا نفعل ذلك. فحين تنظر في نهاية كل يوم إلى الأعداد المكتشفة في دولتك فإن ما تراه في الواقع هو انعكاس لسياسات الاختبار التي تتبناها الإدارة الصحية في دولتك.

هذا الانعكاس يشير إلى ما استطاعت طاقة الدولة اليومية في إجراء الاختبارات أن تكتشفه. وعلى عكس ما يظن الكثيرون، فإن اكتشاف حالات كثيرة لا يعتبر مؤشراً لزيادة الخطر في المستقبل بقدر ما يعبر عن فشل احتواء الأزمة وفشل تطبيق المعايير الاحترازية في وقت سابق.

تماماً كما أن زيادة الوفيات في أي يوم لا علاقة لها في الواقع بما اكتشفناه من حالات اليوم، بل ما اكتشفناه من حالات حرجة قبل 22 يوماً في المتوسط. أما الأرقام اليومية فقيمتها ومعناها لا يتحدد إلا بعد فهم العديد من الأمور، منها طبعاً المرحلة الحالية من عمر الموجة التي تمر بها الدولة،

ومنها أيضاً الفئة المستهدفة من الاختبارات (راجع في ذلك السلسلة السابقة) وأخيراً علاقة هذه الأرقام بمتوسط آخر 7 أيام، وتأثير هذه الأرقام على العلاقة بين متوسط آخر 7 أيام والأيام السبعة السابقة عليها. ودعونا نأخذ مثالاً حقيقياً، في سلسلة سابقة كتبت عن الصين ومشكلتها في بكين.

لقد قامت الصين في عدد قليل جداً من الأيام بعمل عدد كبير من الاختبارات يومياً (حوالي 90 ألف اختبار يومياً) وبالرغم من أن Our World in Data لم يقم بإدراج هذه البيانات في قاعدة بياناته، فإن كثير من المصادر المحترمة ذكرت ذلك.

لكن هنا يجب أن نأخذ في الاعتبار أن الصين تعاملت مع الموضوع في مرحلة بداية الموجة. فبكين لم تكن قد شهدت انتشاراً للفيروس قبل ذلك. المعايير التي اتخذتها الصين كانت عنيفة، وقد يراها البعض أنها مبالغ فيها. حوالي نصف مليون تحليل خلال أسبوع ليجد في النهاية أقل من أربعين حالة.

لكن السؤال المهم هنا، ماذا لو كانت عدد الاختبارات أقل؟ ماذا لو فشلت الصين في العثور على واحد من المرضى؟ بكين فيها 22 مليون نسمة تم اختبار بطريقة التتبع الموسع لنصف مليون شخص لكن ممكن جداً أن يكون هناك شخص واحد لم تجده الصين

هذا الشخص الذي تخاف الصين من وجوده هو الشخص الذي تسبب في نصف مليون اختبار وما زال العدد في ازدياد؛ لأنهم في مرحلة البداية وعدم اكتشاف شخص واحد سيكلف منظومة التحكم في الأوبئة ملايين الاختبارات الأخرى في المستقبل القريب. هذا يعني أنه في بداية الموجة،

يتم التركيز بشكل كبير على التتبع وأفراد الطواقم الطبية كما ذكرنا سابقاً. ولا يخلوا ذلك من النوع الثالث (بنمطه الثاني) في الحالة الصينية تم عمل اختبارات لكل العاملين بمحال الأغذية الجاهزة كالمطاعم أو غير الجاهزة كمحلات الخضروات واللحوم وخلافه.

ثم تعالوا نأخذ مثالاً آخر لدولة متميزة في شأن إدارة الحائجة؛ ألمانيا وسننظر هنا لتطور أعداد الاختبارات مع تطور الجائحة فيها. كما ترون فقدبدأت ألمانيا لفترة بداية المنحنى على عدد غير كبير من الاختبارات (حوالي 20 ألف يومياً) وكان ذلك في أغلبه تتبع.


ثم حين زادت الإصابات (على المنحنى الأزرق) رفعوا فوراً عدد الاختبارات اليومية إلى حوالي 50 ألف اختبار يومياً. وعند بداية انخفاض العدد اليومي للحالات الجديدة لم يتوقفوا عن إجراء الاختبارات، بالعكس قاموا بزيادة عدد الاختبارت إلى حوالي 60 ألف اختبار يومياً.

وتستطيعون أن تعرفوا بسهولة أن ذلك بسبب تبني نوع جديد من الفئات المستهدفة للسيطرة على أي احتمالات انتشار في بؤر غير معروفة. وعند الاطمئينان لأن نتائج زيادة الاختبارات بقيت تؤدي إلى أعداد أقل من الحالات إستطاعت ألمانيا أن تخفض قليلاً من الاختبارات العشوائية بالتدريج،

لكنها بقيت عند حدود 50 ألف اختبار. في أحد الأيام كانت الاختبارات حوالي 100 ألف، ولا يبدو هذا خطأً في البيانات حيث لم تقل الأعداد في اليوم التالي، مما يعني أن هذه ربما كانت عينه مضاعفة هدفها الاطمئنان إلى الوصول لحالة تسطيح المنحنى.

ومع انتهاء الحظر زادت عمليات الاختبار دون وجود حالات كثيرة جديدة. لكن من النتائج الرائعة لهذه التجارب العشوائية في وقت انخفضت فيها جداً أعداد المصابين أن ألمانيا استطاعت اكتشاف بؤرة جديدة في إحدى المناطق، وعلى الفور طبقت إجراءات احترازية كاملة وقوية على هذه المنطقة.

كما ترون من الرسم البياني الموضوع ليس عشوائياً، هناك عقل يستخدم الاختبارات ليدير الأزمة كما تستخدم أنت سيارتك باحتراف لتتجنب مشكلة على الطريق. هذا هو نموذج للاستخدام العلمي الصحيح لإدارة الوباء.

في مثال آخر فلننظر إلى كندا مثلاً لنرى نفس الشئ وإن لم يكن بنفس الانتظام


ولو نظرتم لدولة مثل إنجلترا سترون النظر التالي: كما ترون بوضوح، حدث تأخر كبير في بداية إجراء الاختبارات بأعداد كبيرة، فقد بدأت إنجلترا الاختبارات الكثيفة (على كثرة عددها) في وقت متأخر.


يذكرني هذا بشخصين يخرجان من منزلهما لحف زفاف على الجانب الآخر من المدينة. كلاهما يجهز سيارته، وأحدهما لا يخرج إلا متأخراً جداً (كما نرى بداية صعود المنحنى البرتقالي بينما كان المنحنى الأزرق عند قمته بالفعل).

فتكون النتيجة أولاً أنه يفقد وقود أكثر (كما نرى من الجزء المرتفع في المنحنى البرتقالي) ويهلك سيارته (إرهاق النظام الصحي لانجلترا) ثم أخيراً يفقد جزءاً من احترام من دعوه للحفل أصلاً. أما الأول فحافظ على الوقود وعلى السيارة وعلى احترام الناس له. والآن تعالوا ننظر للبرازيل

الخطأ الأكبر على العموم هو التردد، ففي البرازيل التي نعلم أنه تم فيها فصل وزير لم يعجبه توجه العبقري الذي يحكمها ثم استقال الذي تلاه وانتهى أمر الوزارة إلى شخص مطيع، فإننا نستطيع بسهولة رؤية أسباب الفشل (من ناحة الاختبارات)

فقد كان من الواضح أن هناك تردد في إجراء التحاليل (محاولة للاقتصاد في إجراء التحاليل) فلم تبدأ إلا بعد بداية منحنى الحالات في الارتفاع، ثم توقفت ثم استمرت الإصابات فجربوا الاختبارات لعدة أيام أخرى،

ثم انشغلوا بلملمة آثار الفشل من وفيات حتى لم يجدوا نهاية للنفق فقرروا أن يقوموا بالمزيد من التحاليل لكنها كانت على كثرتها غير ملائمة لا للوضع الجديد من عدد الحالات ولا الوفيات

في السلسلة التالية بإذن الله سنتحدث عن معايير تضعها Our World In Data وفي أهميتها وتقييمها وجدواها


الجزء الثالث

من سلاسل الاختبارات هذه السلسلة تركز على المؤشرات التي أشارت إليها منظمة الصحة العالمية ويستخدمها موقع Our world in Data. والحقيقة أنني لم أنتبه قبل ذلك لتصريح منظمة الصحة إلا بعد نبهني له الدكتور @biohussein منذ 4 أيام. وكنت أظن قبل ذلك أن هذا المؤشر هو من بنات أفكار Our World in Data. والمؤشر الذي أعنيه هنا هو مؤشر عدد الاختبارات التي تقوم بها الدولة لاكتشاف مريض واحد. ولأنني أعرف أن هذا المؤشر لا يحمل معنى واحد في كل الأوقات،

فقد رأيت قبل أن أكتب عن المؤشر أن أشرح موضوع الاختبارات عموماً أولاً. وهذا ما فعلته في السلسلتين السابقتين. وفهم هذه السلسلة يعتمد على فهمهما أولاً. وبالتالي فإنني أرجو من القارئ الكريم أن يتأكد من قراءة السلسلتين السابقتين أولاً حتى يكون من السهل قراءة هذه السلسلة

أحد المؤشرات المهمة التي يستخدمها موقع Our World in Data هو عدد المسحات التي تتم في مقابل كل حالة إيجابية. ووجهة نظرهم في ذلك ومن خلفهم منظمة الصحة هو وجوب إجراء اختبارات كثيرة بشكل كافي لضمان عدم إفلات أي حالة.

وهم في ذلك يقولون أنه كلما زادت الاختبارات إلى عدد الحالات المكتشفة كان ذلك مدعاة للاطمئنان إلى وضع التحكم في الوباء داخل الدولة. وهم في ذلك لا يحددون (كما ولا يعرفون) كيف وأين تستخدم الدولة هذه الاختبارات. ولكنهم يفترضون أن عدد الاختبارات ينطوي ضمناً على حسن استغلالها

فلو فرضنا أن حكومة ما قررت أن تقوم بـ 50 تحليل في مقابل كل حالة جديدة فستزيد أعداد التحاليل كلما اكتشفنا احالات أكثر، وستقل أعداد التحاليل كلما اكتشفنا أعداد مصابين أقل، بحيث نحافظ دائماً على نتيجة القسمة يساوي 50 في المقابل هذا المؤشر سيء في أمور؛

1-أن هذا المؤشر يغفل عدد السكان الكلي في الدولة 2-أن هذا المؤشر سيفشل في مقارنة الدول بناءً على المرحلة التي وصلوا إليها من الموجة 3-أنه سيفشل في تغطية الفترات الاحترازية بعد انخفاض الموجة. مثلاً لن يكون منطقياً أن نكون سعداء بإجراء 50 اختبار فقط لأننا اكتشفنا مريض واحد جديد

هذه هي وصفة سريعة لتكون بؤر جديدة لن ندري عنها شيئاً. 4-أنه لا يوفر حداً أقصى يفصل بين حسن التحكم وبين التبذير في الاستخدام تعالو بنا نرى أولاً نتائج حسابات هذا المؤشر وفقاً للموقع المذكور، لكن قبلها دعوني أحذركم، فالموقع لا يوفر بيانات في بعض الدول.



مثلاً لا يقدم بيانات دقيقه عن دول كثيرة مثل الصين وبعض الدول العربية. كذلك فإن الموقع لا يقوم بتصحيح البيانات التي يجمعها وهو تصرف سليم في رأيي لكن له مشاكله. فمثلاً، بعض الدول لا يوجد لها أي ذكر للاختبارات (مثل مصر والإمارات مثلاً)

رغم أننا نعلم علم اليقين أنهما يقومان بالاختبارات بل إن الإمارات واحدة من دول العالم التي قامت بعدد كبير نسبياً من الاختبارات لاحظوا أن عدد الاختبارات الذي يتم تنفيذه اليوم لا تظهر نتيجته إلا غداً لكنه عدم اتساق يمكن التغاضي عنه ومقارنة الأرقام من خلال المتوسطات الأسبوعية دون قلق

ولإعطاء حضراتكم فكرة عن الأرقام التي أدت لهذه الخريطة فقد قمت بحساب بعض الأرقام لبعض الدول في ثلاث تواريخ مختلفة:


ولأنني أريد أن تروا بأعينكم كيف أن هناك عيباً منطقياً في البيانات فإنني أعرض بيانات البرازيل مثلاً. وهي بيانات غريبة كما ترون. هل من الممكن أن أكتشف الإصابة بدون اختبار؟ الإجابة قد تكون أن البرازيل تعتمد الأعراض مؤشر كافي لأن المرض متفشي للغاية هناك،

وقد يعني أن البيانات نفسها فيها بعض الخلل. لكن يجب ألا ننخدع بهذه الأرقام في كل الأحوال. لكن لاحظوا أيضاً أن الاختلاف في أعداد الحالات المكتشفة يومياً (بالذات بعد تسطيح المنحنى) تتذبذب بشده نتيجة ثبات عدد التحاليل مع اختلاف عدد الحالات القليلة أصلاً.

كما ترون من الأرقام في ألمانيا خلال ثلثاة أيام متوالية. ولتبسيط ذلك تخيلوا أن دولة سطحت المنحنى مثل الصين مثلاً. لديها كل يوم 4 حالات، وهي تجري كل يوم 40 ألف تحليل، هذا قيمة المؤشر لها 10 آلاف. حين تكتشف في يوم ما 100 حالة فإن هذا يؤثر بشده على المتوسط الأسبوعي لعدد الحالات

وبالتالي فإن المؤشر سيهبط بشكل مفاجئ من 10 آلاف إلى 2258. وهذا نتيجة اكتشاف بؤرة في يوم واحد لكنه بعد تسطيح المنحنى. المقصود هو أن هذا المؤشر بطبيعته يتأثر كثيراً بموضع الدولة في الموجة الحالية بالتالي المكسيك ستحتاج إلى إجراء حوالي مليون و450 إختبار لتجاري كوريا الجنوبية

الأخطر أن القصة لا تتعلق بعدد الاختبارات فقط، ولكن بتوزيع عدد الاختبارات على الأغراض الصحيحة بين أنواع الفئات التي ذكرناها في السلاسل السابقة. فالعدد في حد ذاته ليس هو الأهم ولكن كيفية استخدام هذا العدد وتوزيعه وتغييره وفقاً لمختلف المعطيات الخاصة بالدولة.

وبالتالي نستطيع أن نقول أن هذا المؤشر يمكنه أن يكون مؤشراً ناجحاً فقط حول ذروة الموجة. وأن استخدامه كمعيار وحيد للحكم على جوده إدارة السيطرة على الانتشار هو أمر غير واقعي. كما وأن استخدامه لمنطقة الشرق الأوسط غير مفيد نظراً لأن البيانات المتاحة حول بلداننا لديهم ليست كافية

ولكنه في النهاية مؤشر واحد من مصدر واحد وبالتالي فلا بأس به في هذا الإطار ولأن الدول تختلف في عدد السكان فإن المعيار الحاكم الحقيقي هو في جودة تصميم العينات العشوائية من ناحية توزيع مختلف الفئات ومن حيث عدد مفردات كل عينة عشوائية وطبعاً من خلال معدل تكرار الاختبارات العشوائية.

وهذا أمر آخر مهم يجعل المؤشر المذكور غير ملائم على وضعه الحالي. لأن الجزء المتعلق بالعينات العشوائية يجب أن يرتبط بالحجم الكلي لمجتمع الدراسة. وبالتالي فإذا كانت دولة بها 100 مليون نسمة ، ودولة بها 10 مليون نسمة، وبهما نفس العدد من المرضى،

يجب على الأولى أن تقوم بجمع عينات فيها مفردات عشر أضعاف العينات العشوائية للدولة الثانية تقريباً. وبالتالي فإن الأصح هو أن يكون عدد العينات المناسبة لكل مجتمع هو دالة في عدة متغيرات؛ هذه المتغيرات تشمل: 1-عدد السكان الذين لم يتعرضوا للإصابة بعد

2-متوسط عدد الإصابات اليومية لآخر أسبوع 3-التغير النسبي بين متوسطات الإصابات في آخر إسبوعين 4-عدد أفراد الطواقم الطبية 5-نسبة الحالات الحرجة من الحالات المكتشفة 6-نسبة الوفيات من الحالات المكتشفة 7-نسبة الإصابات المكتشفة في آخر عينة عشوائية من النمط الثاني

كل هذه المعايير يجب أن يتم دمجها في معادلة تحدد لكل دولة وضعها الآمن من ناحية عدد الاختبارات. وهنا قد توجد مشكلة في بعض الدول، إذ لا تملك القدرة على تغطية هذا العدد من التحاليل بشكل يومي،

وهنا تكون هذه الدول مجبرة على فرض حظر التجول لتجنب زيادة الأعداد بما يتخطى قدراتها على الاختبار، وإلا فإن الأمور ستنفلت من قبضتها. وقتها سنجد إدارة الدولة كالطفل الذي أوقع نفسه في مصيبة، لكنه يضحك ويصفق ولا يدري شيئاً عن الكارثة التي وقع فيها

27 views0 comments