• Ahmed Moharram

الدجالين .. قديماً وحديثاً



إيريك هوفر هو أحد الكتاب الرائعين ، وكتابه “المؤمن الصادق” هو كتاب دسم ، يحتاج للكثير من القراءة المتأنية العميقة. ويمكنكم قراءة الكتاب من الإنترنت حيث أنه متوافر للتحميل في العديد من المواقع. والكتاب لا علاقة له بالدين كما قد يتوقع الجميع حين يسمعون الإسم (وإن كانت السياسة والدين في عصور القديمة لا يمكن فصلهما عن بعضهم البعض) ، الكتاب بالأساس يتحدث في آليات خلق الإيمان بشيء ما ، ثم العصبية له ، ثم المثابرة في سبيله سواء كان صحيحاً أو خطأً. يتحدث الكتاب في العديد من الأمور والحالات ويحلل آليات الإعلام في صناعة هذا الإيمان ، حتى وإن كان الإيمان بشئ غير حقيقي بالمرة. في حديث طويل بيني وبين أحد الأصدقاء وهو يعمل ضابط شرطة بإحدى القرى القريبة من إلمنيا في مصر ، تطرقنا للقناعات التي ما زالت تتملك البعض من التوجه للمشعوذين حين ذكر أنه منذ عام تقريباً رأى بنفسه حالة لسيدة توفيت على يد دجال كان يدعي أنه يخرج الجن من جسدها. والحقيقة أن الدجال هنا هو مجرد شخص مستغل ، لا يمكنه أن يحصل على أي شيء إلا إذا استغل ضعف الآخرين ، وفي حالتنا هذا الضعف يتمثل بالاعتقاد الخاطئ في الدجالين ، ويتمثل في الحاجة … حاجة فتاة للزواج مثلاً ، أو حاجة شخص لمعرفة من سرق أمواله … حاجة لا تمثل ضعف في ذاتها لو لم يؤمن هذا الشخص بأن الدجال يستطيع .. إما لأنه تربى على ذلك الوهم بأن الدجالين لديهم قدرات واتصالات ، أو لأنه فشل في الطرق الطبيعية ولم يجد أي طريق صحيح ، فعلق لافتة “الجن والأسياد والحظ العاثر والحساد والكائدين والحاقدين” على مشكلته ، وبدأ يبحث عمن يتعاملون في هذه الحالات. والحقيقة أن الإيمان بالدجالين لدى البعض أقوى من يقينهم بالدعاء مثلاً ، وأقوى من يقينهم بالدواء ، وأقوى من يقينهم بأنفسهم. هذا الإيمان الذي يتحدث عنه إيريك هوفر في كتابه ، ليس مجرد الاقتناع ، ولكنه حالة قتل العقل تماماً في سبيل هذا الإيمان والاستماته في الدفاع عنه وعدم مراجعته أو تحليله أو تقييمه. ولا يستقيم ذلك إلا إذا استطاع الداعون لهذا النوع من الإيمان من خلق سور يضم هؤلاء المؤمنين الصادقين ، كالقلعة ، تفصل من بداخلها عمن حولهم ، هذه القلعة لا تحتاج إلى سور حقيقي ، ولكن قد تظهر في أي مظهر آخر. فمثلاً يستطيع هؤلاء المؤمنين الصادقين أن يرتدوا زياً مميزاً لهم مثلاً ، أو أن يتبنوا لغة واحدة ، أو مجموعة من القصص سواء حقيقية أو خرافية ، أو نغمة معينة يصفرون بها … أي شيء. أي شيء يجعلهم يشعرون بأنهم مختلفون ، وأنهم أفضل ، لأن هذا هو الطريق للحفاظ على هذا الكيان المؤمن. والفارق بين الإيمان بالحق والإيمان بالباطل ، لا يكمن في آليات المحافظة على الإيمان وعلى المؤمنين ، ولكن يكمن الفارق بين الإيمان بالحق والإيمان بالباطل ، أن الباطل يدعوك أولاً لأن تترك عقلك جانباً ، بينما الإيمان بالحق يدعوك أن تنظر للحقائق بعقل وقلب محايد وعادل. يدعوك الدجال لأن تترك الطبيب وتؤمن بأن رجل الغراب اليتيم ستجلب لك الشفاء. وهو في سبيل ذلك يدلس في كل كبيرة وكل صغيرة ليبني وهماً يملأ الفراغات في عقلك. فيصف لك الغراب بأنه غراب يتيم فينشغل عقلك عن التفكير في علاقة الغراب بمرضك ، وينتقل إلى التفكير في آلية التعرف على القيد العائلي للغراب المأسوف على شبابه ولأن بيع الوهم ، بطبيعته عملية لا يمكن لها أن تصادف نهاية سعيده “إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ” فإن جزء مهم من أجزاء إطالة هذا الإيمان المزيف هي “تعظيم العفريت” ، ففشل الدجالين يجب أن يكون له سبب، ولابد لهذه الأسباب من أن يتم تفسيرها بواسطة المؤمنين بالدجل قبل أن تكون بواسطة الدجالين أنفسهم. فجزء من هذا الإيمان الصادق الخاطئ هو المحافظة على الإيمان ، وللمحافظة على الإيمان علينا أن نجد أسباب مهما كانت مضحكة وساذجة لنبقى على هذه القناعة. فعلى عكس القرآن الكريم مثلاً ، الذي يدعوك لتدبره ، يأتي الدجال ويقنعك في كل مرة بأنك لا تفهم شيئاً ولا تعلم شيئاً وذلك من خلال اختراع أسماء للعفاريت لا تستطيع أنت أن تنطق بها حتى ، ووصف مهارات العفريت إبن العفريت في الالتفاف الدائم حول المهارات الرهيبة والعظيمة للدجال. إن تعظيم العفريت ، هي واحدة من أهم أسباب بقاء الدجال ، لأننا كلما خفنا أكثر من العفريت ، كلما احتجنا أكثر للدجال. والمؤمن بأن الدجال سيشفيه أكثر دفاعاً عن الدجال من الدجال نفسه ، فالدجال في نهاية الأمر يمكنه أن يهرب من البلد التي مارس فيها الدجل بعد أن يخرب بيوت اللي جابوها ، ولكن المحتاج للدجال، لا يستطيع أن يهرب من حاجته ولا يستطيع أن يفقد إيمانه بالدجال لأنه بهذا يستسلم لمشكلته أيا ما كانت هذه المشكلة. فحين تتحدث إلى زوج مسكين مغفل ضرب الدجال زوجته حتى كسر ذراعها ، أو ساقها ، تجده يقول في سعادة مصطنعة وابتسامه أقرب لعلامة الاستفهام منها للسعادة “أحسن … ده كسر رجل العفريت إبن الـ …. عشان ميجيش تاني” نفس هذا الشخص سيكون عليه أن يردم سريعاً على كذبه على نفسه ، حين يعود العفريت ، ولن يتوانى عن تلقف ما يرميه إليه الدجال من أسباب حين يخبره بأن العفريت إبن العفريته كان عنده 12 رجل ، وإحنا كسرنا واحدة ويخرج أكثر إيماناً ، بأن العفريت قوي جداً ، وأكثر إحباطاً … لأن زوجته لها رجلين اتنين بس ، وطبعاً مش عارف إزاي هيكسرلها 12 رجل عشان ميرجعش العفريت ، وليس لديه أي حل ، سوى الانتظار لعل ما يؤمن به يتحقق يوماً ، دون أن ينظر لكل ما حدث من الدجالين لغير زوجته ممن سمع بحكاياتهن .. هو ببساطة لا يملك الجرأة على الكفر بالدجال ، لأن فيه اعتراف بأنه لا يوجد حل ولو غادر الدجال فاشلاً ، عليه أن يجد لنفسه دجالاً جديداً ، وإلا فكيف سيعيش وتجد المؤمنين بالدجالين دائماً يبنون حولهم هذه القلعة ، هذه الجدران ، التي تحفظ إيمانهم من كل سوء … يتفننون في إثبات أن الطب لا ينفع ، وأن العلم فاشل ، ومن ألف مريض تم شفاؤهم في كل الدنيا يتخير 3 مرضى ماتوا ليبرهن لك على أن الطب مش جايب همه ، والدجالين هما اللي مقطعين السمكة وديلها ويبرهنون لك على عظمة الدجال ، فيحلفون لك ألف مرة أنهم بأعينهم –وهم صادقون- رأوا الدجال وقد انتفض جسد فلانة وأخذ بالارتعاد حين حضر عليها العفريت ، وإنه فضل يضرب في العفريت حتى توقف جسدها عن الارتعاد ، وهذا طبعاً معناه إن العفري هرب … هرب في هذا اليوم لكن لابد له من العودة قريباً … وإلا فكيف سيعيش الدجال وبماذا سيؤمن بعد رحيل دجالهم ؟؟؟ الدجال ، يغني التابعين له عن أن يكونوا طبيعيين ، عن أن يسعوا إلى الحق يغنيهم عن أن يتعبوا أنفسهم بالسعي الحقيقي ويعدهم الفقر والجوع إذا لم يتبعوه ولا يتوقف عن دعوتهم لرؤية عبقريته المزعومة أو الصبر على فشله الذي لم يستطع تغطيته ببعض الادعاءات في حينه ثم يأتي لاحقاً ليخبرك بأنه اكتشف مصدر جديد من مصادر قوة العفريت


برلين - 2018

82 views0 comments

Recent Posts

See All

COVID19 data files

لمن أراد أن يجرب البيانات ليعبث بها قليلاً .. هذه هي الأعداد اليومية للإصابات ، تليها الأعداد اليومية للوفيات لكل دول العالم تقريباً