• Ahmed Moharram

وصفة كعكة الفانيليا

Updated: Nov 9, 2020


الجزء الأول

فليتصور كلً منا أنه عثر على بعض قصاصات قديمة. وجدها في بيت العائلة. قصاصات بعضها مكتوب بخط اليد وبعضها مأخوذ من المجلات أو الصحف. تنفض عنها التراب بهدوء فقد قضم الزمنُ بعضَها في مواضعَ عدة، حتى أن أفضلها حالاً يبدو مثل مريضٍ يتحامل ليبدو متماسكاً في وقفته.

لكنك في كل الأحوال لن تستطيع أن تمحو عنها ذلك الاصفرار الذي تلبس بنسيج أوراقها للأبد. تتجه بهذه القصاصات إلى مكان يملؤه الضوء راجياً أن يشفع لك الضوء في إظهار ما أتلف بعضَه الزمنُ من الكتابة.

ولو أن قصاصات الجرائد والمجلات كانت أحسن حظاً من تلك المكتوبة بخط اليد. فقد أسالت الرطوبة بعضاً من الحبر لتظهر الكلمات كما لو كانت جُزُراً في مياه فوق رمالٍ صفراء مُزرقَّة. الآن تتضح الأمور قليلاً، فهذه القصاصات هي لجدتك.

هذه القصاصات فيها وصفات الكعك الذي كانت تحبُّ أن تعدَّه لك قبل أن تزورها كل مرة. هذه وصفة كعكة البرتقال. تذكرك بالنشاط واللعب الذان كانا دائماً مصاحبين لأكلها. وهذه وصفة كعكة الفانيليا، بما فيها من شياكة تشمها في رائحتها ولا تفهم لماذا.

يزيد تقديرك لهذه القصاصات، فهي ليست مجرد أوراق. وما شابها من صفرة زمن شَيَّبَها ولكنه لم يُشَيِّب الذكريات في رأسك الذي بدأ الشيب يتمدد فيه أيضاً. تجمع الوريقات بحرص وأنت لا تدرك كيف يمكنك أن توقف فعل الزمن بها وكأنك إذ تتلبثُ بها تتلبث بيد جدتك.

تعودُ إلى منزلك، وفي يدك ظرفٌ أودعت فيه القصاصات باعتناءٍ شديد، لتجد رائحة جميلة، إنها ابنتك أعدت لك كعكة الفانيليا، وكأنها رسالة إليك من العالم الآخر أرسلتها جدتك حين استدعتها ذاكرتك

الجزء الثاني

تجلس على طاولة الطعام وأنت منشغل بهذا الظرف الذي تود أن تحتفظ بما فيه. يلهيك القلق من فقدانه عن رائحة الفانيليا إلا أن قطعة من الكعكة التي فقدت أغلب حرارتها الآن تقترب منك على طبق في يد ابنتك.

ولا تتردد في أن تحكي لها ما جرى لك وهي تستمع بكل اهتمام. تصارحها برغبتك في حفظ هذه القصاصات وهي تناقشك في البدائل غير أنكما تتفقان على أن تصوير القصاصات بهاتفها وحفظ الصور لاحقاً سيكون الخطوة الأولى والأسرع.

تلتقط صور لكل قصاصة وأنت جالس تراقب ما يحث وقلبك يتحرك خوفاً مع كل ورقة تأخذها ابنتك من الظرف حتى تنتهي من تصوير آخر قصاصة. وشأنها شأن كل بنات جيلها، فإن كل أجهزتهم مترابطة ولا تستطيع أن تمنع نفسها من استعراض إحدى الوصفات على شاشة كبيرة في غرفة المعيشة عن طريق هاتفها.

تنظر ابنتك ذات الاثنى وعشرين ربيعاً باهتمام لوصفة كعكة الفانيليا بخط جدتك والمعروضة على شاشة بحجم كبير يكشف نسيج الورق وتجاعيده. وأنت تعرف أنها تريد أن تسرق أفكار جدتك، لكن لا بأس، فجميع الأسرار ستنتهي في معدتك وهذه في حد ذاتها أخبار لذيذة.

تسمع صوت جرس الباب قبل أن تتذكر أن هذا موعد زيارة صديقك الإنجليزي ألفريد. وألفريد هو عالم في الرياضيات. لا يتحدث اللغة العربية غير أنه قد حصل منذ زمن بعيد على بعض التدريب على حروفها. فهو يقرأ الحروف العربية وقادر حتى على قراءة عدد من الحروف المتتالية لكن الأمر لا يتعدى ذلك أبداً.

وهو مولَعٌ بحب اللوحات الفنية والموسيقى الكلاسيكية. ويبدو أن هذا عامل مشترك بين كثيرين من علماء الرياضيات والفيزياء. حسناً، يمكنك أن تقول مطمئناً أن حماة ألفريد تحبُّه، فقد صادف موعد حضوره أبهى لحظات أكل الكعكة. تبادلا كعادتهما أطراف الحديث الذي كان دائماً وأبداً لا يتغير.

أوضاع العالم السياسية. وما يدور من بهلوانات السياسة وبهلوانات الإعلام من قفزات رشيقة فوق الحقائق وفوق رقاب العباد. ورغم أن ألفريد (صديقك) ليس من أبناء الشرق الأوسط، إلا أن حياته في الشرق الأوسط كأحد مستشاري المؤسسات الحكومية يسمح له بالاطلاع على الأمور من القمة في الصباح.

بينما جولاته التي يفضل أن يكون أغلبها على الأقدام في الليل تجعله يرى الأمور على الأرض. وهو في ذلك شأنه شأن أغلب الخبراء الإنجليز، فهو حريص كل الحرص على مقامه ومكانته، لكنه مع ذلك يصر على فهم التفاصيل بنفسه من كل شخص ممكن ولا يستشعر حرجاً أو ضيقاً في أن يقضي ليلته مع مجموعة من العمال ليفهم أمراً تنفيذياً بسيطاً وكأنه تلميذ دخل المدرسة متأخراً ويرغب في تحصيل ما فاته. لم يمنع ألفريد عينيه من النظر لشاشة التلفاز التي كانت عليها في تلك اللحظات قصاصة بخط اليد.

بحبرها الأزرق الذي أصبح باهتاً على ورقة صفراء غير أن زرقة الحبر تمددت في نسيج الورق بفعل الرطوبة والزمن. يداعبك قائلاً بإنجليزيته الفخمة، هل بدأت تبحث في عالم الآثار، ولا يتوقف عند هذه الدعابة بل يطلق لسانه الذي ما اعتاد العربية ليقرأ حروف وصفة كعكة الفانيليا.

بالطبع لم يكن يعرف أن ما يحاول قراءته هو وصفة الكعكة التي يتناولها. ولم يضاهي فخامة إنجليزيته إلا بعثرة الحروف العربية التي خرجت من فمه أثناء محاولاته تلك وصوت ابنتك وهي تضحك على نطقه. لكن لسان ألفريد الذي لم يتمكن من قراءة وصفة كعكة الفانيليا لم يتوقف عن الاستمتاع بالكعكة نفسها.

الجزء الثالث

ينقضي الوقت سريعاً في صحبة صديقك ألفريد. كان حديثكما اليوم عمَّا يحدث في العالم من قرارات سياسية لها وطأة ثقيلة خطيرة على جودة البيئة حول العالم لزمن طويل قادم. وحين لملمتم أطراف الحديث. وقبل أن يبدأ في الاستعداد للانصراف يسألك ألفريد مبتسماً عن أخبار أحمد وإذا ما كان قد طمأنكم بعد وصوله إلى ميونخ. رغم أنك تومئ بالإيجاب فملامح وجهك لم تستطيع أن تخفي تلك المشاعر المتداخلة لديك. بين السعادة والحزن والقلق والخوف.

وتأخرت الكلمات على لسانك لثانيتين رغم أنك كنت ما زلت تومئ بالإيجاب. ينطلق لسانك بعد التأخر وكأنك كنت تختار من مشاعرك ما ستفرج عنه وما سوف تبقيه حبيساً. تخبره بأنه على ما يرام وتداعبه قائلاً أنه استطاع تجنيد إبنك لينضم إلى عالمه، عالم الرياضيات والأرقام.

كنت تقول ذلك ويضحك لكنكما معاً تعرفان أن اجتهاد أحمد وحبه للرياضيات كان سبباً في مساعدة ألفريد له وليس العكس. وكلاهما يعرف أن آمال أحمد تتخطى ما وصل إليه ألفريد في علم الرياضيات. وما وصلت أنت إليه في عالم الشِعْر.

ألفريد يعرفك جيداً ويستطيع بسهولة أن يرى كل تلك المشاعر على وجهك دون أن تفصح عنها ويرغب في التخفيف عنك فيقول ضاحكاً "وهل كنت ترغب في أن يتبعك أنت وها أنت ذا شاعرٌ ذو شأن ومع ذلك تلعثمت حين أردت أن تجيب عن سؤال واحد؟ دعه يعيش في عالمي أنا ولتبقَ أنت في عالم الشعر".

كان أحمد مختلفاً عنكما، فالأمر لم ينتهِ به عند حب الرياضيات في دراسته الإعدادية. أحمد الذي يصغر أخته "فاطمة" صانعة الكعكة اللذيذة بأربعة أعوام والذي أتم 18 عاماً منذ ثلاثة أيام قضى عيد مولده وحيداً في مدينة لا يزورها للمرة الأولى في حياته، فقد وصل لألمانيا منذ أقل من أسبوع بعد إنهاء الثانوية العامة وحصوله على منحة للدراسة في ميونخ بألمانيا. وأجبرته مواعيد الدراسة ومواعيد الطيران المتلعثمة هي أيضاً بسبب وباء كورونا على أن يسافر دون أن يتمكن من قضاء عيد ميلاده مع أسرته.



وصوله لهذه النقطة من حياته كان نجاحاً يستحق كل إعجاب. فقد خطط منذ صِغَره لهذه الرحلة التي انتصفت الآن وأنصفته. فمنذ المرحلة الإعدادية كان يرغب في الانضمام إلى فريق CERN. وCERN هو مُعجِّل ومَصادم للجسيمات الذرية، هدفه تسريع الجسميات على المستوى الذري قبل دفعها للاصطدام ببعضها وذلك بهدف دراسة العديد من الخصائص الفيزيائية الأساسية. ومن أكثر الأمور المهمة التي كانت تستهوي أحمد تلك المعضلة الجميلة حول طبيعة بعض الجسيمات دون الذرية. هذه المعضلة التي دعت عالم مثل Higgs إلى توقع وجود مجال كامل من جسيمات Higgs.

ويعتبر CERN في عالم الفيزياء الذرية مثل ناسا في عالم الفضاء (مع فروق بالطبع) والطريق الذي اختاره أحمد بمعاونة ألفريد كي يصل إلى CERN هو دراسة الرياضيات في جامعة TUM، فرغم أن ترتيبها عالمياً 50 إلا أن ألفريد اختارها ونصحه بها تحديداً من أجل أستاذة غير عادية تقوم بالتدريس فيها.

يخطط أحمد للانتهاء من دراسته الجامعية والماجيستير في TUM ثم يحصل على فرصة بحثية لرسالة الدكتوراه داخل CERN. بالنسبة له فإن CERN هو بلاد العجائب وأرض السحر وكل التحديات الممتعة والعقول التي تتشارك لتحقق ما يراه البعض مجرد أحلام.

في الواقع لا توجد كلمات يمكنها وصف قدر المتعة التي يتوقعها أحمد في رحلته داخل CERN. لكن عليه أن يجتهد إن أراد الاستمرار في تحقيق حلمه، ففي نهاية العام التمهيدي قد يتم رفضه إذا لم يحقق درجات مرتفعة. علاوة على ذلك فإنه إن لم يتفوق في كل سنوات الدراسة فلا سبيل له إلى CERN.

لم تكن تعرف وأنت تتذكر كل هذا فيما يتجهز ألفريد للمغادرة أن أحمد كان على موعد مع لقاء سيغير حياته للأبد في نفس اللحظات التي عثرت أنت فيها على قصاصات جدتك.

الجزء الرابع

لم تكن تعلم أنت أنك في اللحظات التي عثرت فيها على قصاصات وصفات جدتك، كان أحمد يتلقى أولى محاضراته في جامعة ميونج التقنية TUM. كانت معارف ابنك من علم الرياضيات لا تقتصر على ما تعلمه في التعليم الثانوي المصري.

ورغم أن منهج الرياضيات في مصر أفضل من كثير من الدول إلا أنه (مثل أغلب مناهج الدول الأخرى) يتعامل مع الرياضيات على أنها "شر لابد منه". وبالتالي تكتفي أغلب الدول في مناهج الرياضيات بأقل جرعة ممكنة. فإذا أضفت إلى ذلك جودة العملية التعليمية يمكنك أن تستنتج مجمل معارف الطلاب العاديين.

كان منذ أيام قليلة فقط قد وقف مشدوهاً أمام أنبوبين كبيرين يمكن استخدامهما كلعب الملاهي في الهبوط فوراً من الطابق الثالث إلى الطابق الأرضي في جامعته الجديدة. ورغم أن هذه هي زيارته الثانية لألمانيا حيث أتى قبل عام واحد خلال أجازة الصيف إلى ميونخ أيضاً لدراسة اللغة الألمانية، إلا أن الوقت كان يمضي سريعاً حتى أنه لم يستطع فعلياً التعرف على المدينة. ولم يستطع استقطاع وقت لزيارة الجامعة التي كانت وقتها حلماً له. كانت رحلة عودته من الزيارة الأولى مليئة بحصر لما لم يستطع فعله خلال الرحلة بسبب ضغط دراسة اللغة الألمانية.

وها هو الآن يجلس داخل TUM؛ الجامعة التي يتمنى آلاف أن يحصلوا على منحة فيها. ويستعد للقاء حلم أكبر؛ البروفيسيرة إيفا شنيدر، أستاذة الرياضيات التي طالما حدثه عنها صديق والده؛ ألفريد.دخلت الأستاذة إيفا إلى مكان المحاضرات، كان عدد الطلاب بالكاد يزيد عن الثلاثين.

كانت ملامحها هادئة وابتسامتها خافتة، ولكنك تستطيع بسهولة أن تشعر بهذا الكم الكبير من الوهج العلمي المحيط بها، كما لو أن علمها يفيض عن هذا الجسد. ربما كان هذا شعور أحمد لمعرفته بتاريخها ومقامها. لكن في ملامحها يظهر أيضاً شيء من الحزن القديم. لا يمكنك أن تحدد شيئاً واضحاً لكنه شعور لن يخطئ طريقه لقلبك حين تنظر لوجهها.

كان أحمد كالمتسابق الذي ينتظر صافرة البداية في خوف. كان خائفاً من فقدان أي كلمة أو معلومات ستقولها أ/إيفا. كان يشعر شأنه شأن الجميع بارتباك التجربة الأولى، ولا سيما أنه رغم دراسته للغة الألمانية فإن تلقي محاضرة كاملة لمدة 90 دقيقة من أستاذة ألمانية حول الرياضيات للمرة الأولى أشعره ببعض من عدم الثقة. في كل الأحوال فإن حديث أ/إيفا لم يكن مرتبطاً بشكل مباشر في هذه المحاضرة بالنظريات الرياضية أو بموضوع علمي محدد.

وإنما كانت تحاول أن تصف لطالبها الجدد الفرق بين الرياضيات التي درسوها قبل الجامعة وبين ما يجب أن يكون عليه إدراكهم خلال المرحلة الجامعية وبعدها للرياضيات. بدأت أ/إيفا بعرض معادلة بسيطة، يعرفها كل الطلاب بالتأكيد، إنها معادلة ألبرت أينشتاين للنسبية الخاصة. وهي معادلة بسيطة في صياغتها وتصف علاقة الزمان والمكان بجسم يتحرك في خط مستقيم بسرعة ثابتة. لم يكن ما تعرضه يركز فعلياً على نظرية النسبية بقدر ما كان يركز على بساطة المعادلة. ثم عرضت عليهم بعد ذلك عدداً كبيراً من المعادلات التي تظهر في سطور متتالية. كثير من المتغيرات كثير من الشروط حول تفعيل كل منها. كانت الشاشة الكبيرة لحظتها مكتظة حرفياً بعدد كبير جداً من المعادلات التي تمت كتابتها بخط أصغر بكثير من ذلك الذي استخدمته إيفا لعرض معادلة النسبية الخاصة.

لم يبدُ على وجه إيفا أي استغراب حين تعالت همهمات الطلاب وهم يستشعرون أن السماء ستُطبِق عليهم الآن حتماً في أي لحظة وأن أعمارهم قد تنقضي قبل أن يفهموا هذه الشاشة. وهنا بدأت أ/إيفا في شرح فكرة مهمة للغاية.

فقد ابتسمت لهم وهي تقول لا عليكم لا عليكم .. لن أطلب منكم أن تحفظوا هذه المعادلة الآن، لكن هذه المعادلة حاضرة معنا اليوم لسبب مهم، هذه المعادلة حاضرة معنا اليوم لتخبرنا بواقع الحياة التي نعيشها. لا يوجد شيء بسيط أو مستقل في هذا العالم الذي نعيشه. حين كنتم تدرسون المعادلات قبل الجامعة كان الهدف هو أن تفهموا القواعد الأساسية للتعامل مع المعادلات، تماماً كالأطفال حين نعلمهم الحروف. نكرر لهم حرف معين ثم نظل نؤكد على هذا الحرف مرات عديدة ونعطيهم أمثلة على كلمات بسيطة يظهر فيها هذا الحرف.

كم مرة رأيتم الأطفال يستخدمون كلمة طويلة حين تطلبون منهم أن يذكروا كلمة تبدأ بحرفٍ ما؟ نادراً ما سيحدث ذلك. لأن الهدف ليس الكلمة. الهدف هو الحرف نفسه. عقل الطفل تربى على هذا. لكن حينما يكبر الطفل وتطلب منه أن يكتب فقرة أو فقرتين للتعبير عن موقف أو موضوع محدد سيختلف الأمر.

ساعتها لن يشغل نفسه بالحروف التي يحتاج أن يستخدمها إطلاقاً. وسيبدأ عقله في نسج أفكار تعبر عن الموضوع ثم سيستدعي أنسب الكلمات ليكسو بها هذه الأفكار فتصير عبارات واضحة ذات معنى.

الفكرة هنا تسبق الكلمات التي تصفها بالتأكيد. ولهذا فإن أغلب من يدرسون الرياضيات في المرحلة قبل الجامعية لا يشعرون بالاستمتاع إلا نادراً، بل وهم حتى لا يستطيعون استخدامها بشكل واقعي. حين نظرتم للمعادلة البسيطة كنتم تفكرون فيها كمعادلة، رغم أنكم تعرفون أنها ذات مغزى أكبر بكثير، لكن هذا لم يخرجكم من دائرة مغلقة في عقولكم وهو مفهوم المعادلة كما تعلمتم قبل ذلك. لكن في الحياة نادراً ما ترى ذلك بهذه البساطة. فبالرغم من أنكم تظنون أنكم برياضيات ما قبل الجامعة قد علمتم حقيقة بشكل مؤكد، إلا أنكم هنا هنا الآن لنحكي لكم قصة مختلفة.

لم يكن أحمد وحده الذي يستمتع بكلمات أ/إيفا، فقد كانوا جميعاً مستمتعين. ولا شك أن معرفتهم بأن المعادلة المعقدة ليست إلا مثالاً أشعرهم بكثير من الارتياح الذي جعل كلمات أستاذتهم الرائعة تنساب لعقولهم مع كثير من المتعة. لكن الأمور بدأت تتضح أكثر حين قالت لهم إن هذه المعادلات الكثيرة هي سلوكيات عديدة تحكم ظاهرة محددة في أسواق المال اليابانية. وأن فهم هذه المعادلات معاً والبحث في نقاط التقائها أو على الأقل تقاربها هو وسيلة البعض لتوقع اتجاه الأسعار بسوق الأوراق المالية. وأن ما يرونه هو فقط نصف هذه المعادلات لأن الصفحة لا تكفي لها جميعاً. ثم تضيف مع نظرة ماكرة "أرى بعضكم سيقرر ترك الدراسة قريباً والتفرغ لجني المال .. ولكن الأمر ليس بهذه السهولة فبعض السلوكيات لا يزال غير محدد وليس حتى هذه اللحظة موثقاً"

في الحياة، حين تستخدمون الرياضيات بشكل واقعي فإنكم لا تبحثون عن أرقام، بل تبحثون عن علاقات وسلوكيات. وهنا لا تتحدثون عن معادلة واحدة، وإنما عن تداخل لكثير من المعادلات لوصف كل جزء من الواقع. ثم يكون دوركم الحقيقي هو التعبير عن تفاعل هذه الأجزاء وحدود قدرة كل معادلة على التعبير عن سلوكيات الواقع والتأثير فيه. وكيفية تضمين هذه النماذج كثيفة المعادلات متغيرات كافية للتعبير عن أشكال مختلفة من الواقع.

هنا أنتم مستعدون لكتابة فقرات من الرياضيات لها معنى حقيقي بدلاً من الحروف والكلمات البسيطة التي تجيدونها جميعاً. هنا تأتي الرياضة لوصف الواقع وليس بالشكل المجرد الذي اعتدتم عليه سابقاً ثم تصبح أكثر قيمة حين تسمح لكم أيضاً بتوقع المستقبل أو على الأقل أشكاله المحتملة. إلى هنا انتهت أول محاضرة يتلقاها أحمد في جامعته الجديدة. وكان في حماسة شديدة لمعرفة المزيد. فرغم ثقته في رأي ألفريد إلا أن ما رآه من إيفا تخطى حدود توقعاته. شعر أن اهتمام ألفريد في حياته بالتفاصيل التي يحاول فهمها من أرض الواقع كانت في الحقيقة جزء من الرياضيات التي يتخصص فيها.

ولكن لا يمكن مقارنة ما يعيشه ألفريد بحكم خبرته بالطريقة التي شرحت بها أ/إيفا هذا المبدأ المهم.

الجزء الخامس:

بالنسبة لكل واحد في أفراد عائلتك كان يومهم عادياً (هكذا تظنُ أنت على الأقل)، بالنسبة لك فقد استدعت رائحة الفانيليا روائح أخرى كثيرة. من قال أن الروائح الحلوة فقط هي التي نشتاق إليها؟ رائحة الخشب القديم في منزل جدك اليوم كان لها تأثيرها أيضاً عليك. ما بقي سليماً من الستائر على اهترائه كان له تأثير عليك.

تحدث نفسك وقد ألقيت جسدك على سريرك وحيداً.

هذه ليست المرة الأولى التي تحدث فيها نفسك، فأنت شاعر. تخاطبُ نفسك ألف مرة قبل أن تجد ما يستحق أن يحمل اسمك بين الناس من دواوين أو حتى قصائد منفردة. لكن حديثك هذه المرة كان يحمل الكثير من القلق. هكذا كنتَ دائماً. تحاول الابتعاد عن أسباب القلق والألم. هذان الضيفان الثقيلان، يدخُل كلٌ منهما لحياتك يوماً بعد يوم كالضيف الثقيل. يدخل منزلك عنوة ويختار أحد الكراسي فيجلس عليه. وتتصنعُ أنت أن كل شيء على ما يرام. وتمضي في المنزل دون النظر لهذا الضيف وتخترع في حركاتك كل المسارات التي تجنبك العبور بجوار هذا الكرسي. وتمضي الأيام، وتمتلئ الكراسي وتزدحم حياتك بما لا تريد النظر إليه حتى لا يبقى لك من حياتك إلا هذاالسرير ومعه كثيرٌ من الأرق.

فتقرر أن تنظر أخيراً لكل ضيوفك الثقال، وأن تفكر في حياتك من جديد. في أن تتفاوض مع ذاتك على كيفية الحياة مع النظر لكل دواعي القلق والألم.

ها أنت الآن تتحدث إلى نفسك متسائلاً .. لماذا هذه الزيارة كانت مشحونة بكل هذا القدر من المشاعر؟

نعم، إنه ليس المنزل فحسب بالتأكيد

"ربما هي قصاصات جدتي؟" تسأل نفسك .. ثم تنساب الأسئلة

"ربما هو عمري الذي يتساقط من بين أصابعي كالماء ولا أملك أن أدرك فيه كل ما أتمنى؟"

"ربما سفر أحمد وهو إبني الذي كنت أدخرُه لأتكئ عليه في هِرمي؟"

"ربما كان قلقي على البلد وعلى كل ما يحدث فيها؟"

"ربما كان شعوري بالذنب تجاه كل هؤلاء الشباب الذين يشيخون في السجون دون ذنب سوى أنهم صدقوا ما كنا نكتبه عن الحرية وحب التراب؟"

"ربما هو هذه الريح العاتية التي تمضي لتسلبنا جميعاً تاريخنا وذكرياتنا وأنا أقف عاجزاً لا أملك أن أغير أي شيء؟"

"ربما أنني أدركت بعد كل هذا العمر أنني فشلت؟ وأن الكلمات والمشاعر في النهاية لا قيمة لها في ساحات التغيير أمام الدبابات والأسلحة والأفاقين الذين تحمي ميكروفاناتهم أموال الخارج وعِصِي الداخل؟"

كل هذه أسئلة كانت تدور في رأسك، كلها كانت تحاول أن تجد سبباً لهذه المشاعر التي تُثقِلُ قلبك اليوم. لكن المؤكد أن قناعتك كانت تزداد بأن حنينك الشديد الذي اجتاحك في منزل جدك الذي قررت زيارته دون مبرر كان موجوداً قبل الزيارة. لقد كنت تبحث عن مشرط تفقأ به جراحك لتستريح. كنت تتلمس مواطن الراحة في آخر مكان تركتها فيه قبل أن يمضي زمنها إلى الأبد. وكأنك تبحث في الحقيقة عن إعادة الزمان فذهبت تستشفع بالمكان. والحقيقة أن ما فعلته أنت هو ما نفعله جميعاً

ألسنا نستمع إلى شعرك وشعر غيرك لأنه يسمح لنا بتحرير مشاعر دفينة في أنفسنا؟ ألا نستمتع بخروج الألم الذي كان يأكلنا من الداخل. في حقيقة الأمر أنت لا تفعل شيئاً غريباً. الفارق أننا نحن نستمع لشعرك ونثرك، أما أنت فمشكلتك أكبر من مشكلتنا

أنت أمامنا مسئول عن تفريغ آلامنا نحن، وتحتاج إلى من يساعدك أنت

ضئيلة هي قدرات البشر على الإدراك .. مقيدة بقدراتنا على الإبصار للأسف

حين نرى البشر يمرون في الطريق .. في الجامعة .. في المدرسة .. في المستشفى .. أو حتى في الملاهي نظن أنهم جميعاً يتحركون بنفس الحرية. أليسوا يتقدمون بالخطوات ؟ يسرعوا إذا أرادوا أو يبطئوا ؟

أليسوا قادرين على التوقف لأمر من الأمور أو حتى الجري ليدركوا شيئاً سيفوتهم ؟؟

هذا ما تخبرنا به عيوننا

لكنها للأسف لا ترى هذه الكراسي الخفية .. الكراسي التي تجلس عليها آلام وأحزان ومخاوف كل شخص من هؤلاء

فهي مختلفة من شخص إلى آخر، بل إنها للشخص الواحد تختلف من وقت لآخر.

وكأن ممانعة الهواء لأجسادنا متفاوتة وإن لم تلحظ عيوننا ذلك. فهناك من بين من يسيرون أمامنا أناس تدفعهم الرياح لتثبطهم. تقاوم كل حركة من حركات أجسادهم. حتى عيونهم التي يفتحونها وكأن فوق أجفانهم جبال .. لكننا لا نرى ذلك أبداً وربما للأسف لا نفهمه

وهي تعطل عقله وتستنزف مشاعره وتشتت فكره عن إدراك ما نقوله في بعض الأحيان، بينما تجبره على فهم غير ما نقول في أحيان أخرى، لأن هناك نقاط قرر أن تكون مطموسة لأنه لا يريد النظر إليها. هذا يخلق مسارات مختلفة لتفكيره. مسارات تجعلنا مختلفين حتى فيما نراه سوياً

لعل هذا هو السبب في "أثر مانديلا". وهو وصف يستخدمه السياسيون (أو بالأحرى شياطينهم من خبراء النفس) ليعبروا عن ظاهرة غريبة. وهي وجود ذكريات جمعية لدى عدد كبير جداً من الأفراد رغم أنها ذكريات مزيفة. دون أن يكون سبب ذلك هو أخبار كاذبة مثلاً.

ربما هي رغبة الناس في شيء ما، أو خوفهم الشديد من شيء ما. ثم وقوعهم تحت ضغط يفقدهم القدرة على الفصل بين الواقع والمخاوف والآلام. فتتسرب لعقول كثيرين منهم هذه الأحلام والمخاوف كما لو كانت واقعاً. عجيب أمر العقل البشري وكيمياء الذكريات.

في كل الأحوال .. أنت تدرك أنه يجب عليك أن تنام مبكراً، فأنت في انتظار مكالمة من ابنك أحمد صباح الغد قبل المحاضرة الأولى له لتطمئن على اليوم الأول. فقد أخبرتك فاطمة قبل نومها أنه في الطريق لسكن الطلاب وأنه مرهق للغاية ولن يستطيع مكالمتك اليوم ليحكي لك كل شيء. وسيتصل بك صباحاً في الثامنة.

على الأقل لديك سبب وجيه لتحارب الأرق

فإلى الغد إذن.

الجزء السادس: (عالمان بلا جسور)

image source: https://www.zedge.net/wallpaper/8867e42b-6240-3427-8239-59d38416d62d


تدرك أن هذا الصوت الذي يأتي من جانبك هو صوت هاتفك وتتوقع أنها مكالمة أحمد، فهي على جدول توقعاتك أول الأحداث في اليوم الجديد. تفتح عينيك بصعوبة، تمضي يدك تبحث على الفِراش عن هاتفك الذي اعتدت أن تتركه أو أن يسقط من يدك بعد أن ترهقك أخبار المساء. وإن كانت كل الأخبار الآن مثل المساء في قتامتها بغض النظر عن كونها صباحية أو مسائية.

تصل يدك للهاتف وتجيب على إبنك أحمد. وتتعرف من صوته على سعادته قبل أن يحكي لك أي شيء. رغم أنه لم يقل بعد "صباح الخير" سوى كلمتين .. "شفتها إمبارح"

طبعاً أدركتَ أنت بسهولة أنه يتحدث عن تلك الأستاذة التي ظل صديقك ألفريد يحمسه لطلب العلم عندها. فتجيبه ضاحكاً "ماشي يا سيدي، ربنا يهني سعيد بسعيدة .. المهم لحقت تفطر قبل ما تنزل ولا لأ؟" فيجيبك أن الأمور أيسر من ذلك بكثير، فهو يقلد زملاءه الذين يشترون موزة واحدة وعلبة لبن للإفطار ليتناولوها بين المحاضرات. فتسأله "وهتتغدى إمتى؟" فيجيبك "بالليل لما أرجع البيت .. هيا الحياة في ألمانيا كده للدارسين" لا يتوقف أحمد عند هذه الإجابة ولكنه يستمر فيحكي لك محاضرة الأستاذة إيفا، وهو يشرحها بكل ما جاء فيها كما لو كان حريصاً على أن يؤكد لنفسه ما ظل يراجعه بالأمس كي لا ينسى منه شيئاً. في حين كنتَ تستمع له باهتمام رغم أن بعضاً مما يقوله أحمد يبدأ وينتهي في عالم مختلف عن عالمك تماماً. لكن كلمة مهمة تعلق برأسك من هذه المحاضرة التي كررها أحمد بمنتهى الأمانة والدقة.

لفت نظرك كلمة "أن طلاب الرياضيات قبل الجامعية يظنون أنهم عرفوا الحقيقة". كان وقع هذه الكلمة غريباً عليك. بالتأكيد هو كذلك. وكيف لا؟

فأنت دائماً تعرف أن الحاجز بين عالمك وبين عالم العلوم والرياضيات هو الذي يفصل بين الحقائق الراسخة الواضحة المجردة من الألوان والمشاعر وبين عالمك المليء بالشعر ومظاهر الجمال والتشبيهات والحبكات الدرامية وقصص فوران المشاعر وانهازمها وتدرج الألوان حيناً وصراخها أحياناً أخرى على غير هدى في حدود اللوحات أو في فضاء الخيال.

لولا إجماع ألفريد وأحمد على عبقرية هذه المرأة لكنتَ الآن ستشكك في حكمتها وربما في علمها. لكن على كل حال لا داعي لأن تتعب عقلك بكل هذا، فعلى الأرجح سيكون إبنك قد أخطأ في فهم ألمانيتها أو أنه قد توهم شيئاً وهو تحت أثار مخدِّر اللقاء الأول بأسطورته.

تسأله ماذا ستدرس اليوم؟ فيخبرك بأنه سيحضر محاضرة عن نظم المعلومات. تنتهي المحادثة سريعاً رغماً عنك، فأنت تعرف أنه في طريقه للمحاضرة وهو يشعر بأنه قام بما عليه من نقل كل ما حدث بمنتهى الأمانة. لكنك لم تكتفِ من كلامه، وكيف تكتفي وبينكما كل هذه المسافة؟ هذه المسافة التي تشعرك بأن جزءاً من قلبك فارغ.

انتهت المكالمة وستعود للنوم فلا مواعيد مهمة لديك اليوم. وفاطمة لا تحتاج منك إلى أي رعاية قبل الذهاب لكليتها. فاطمة تدرس الطب في جامعة القاهرة (طب قصر العيني) وهي طالبة مجتهدة ومتفوقة. ولكن القول بأنها تستمتع بدراستها كما يستمتع أحمد صعب في الحقيقة. ليس لأنها في السنة الرابعة وقد قَلَّ وهَج الشغف بما تدرسه، ولكن لامتلاء أيامها بالمحاضرات والتجارب والاختبارات. يومها مكتظ لدرجة لا تسمح لها بإدراك المتعة فيما تدرسه. لكنها حريصة مع ذلك على أن تقتنص أي ساعات متبقية في اليوم لفعل شيء تحبه، ربما كعكة مثلما فعلت بالأمس، وربما سماع الموسيقى التي تحبها.

في كل الأحوال، يبدو أن حظ أحمد سيختلف اليوم، فلم تكن المحاضرة ممتعة على الإطلاق. كانت المحاضرة حول اتخاذ القرارات بناءً على المعلومات المتاحة، وربما كانت الأمثلة التي دارت في أغلبها حول الأعمال والبيزنس سبباً في عزوف أحمد عن الاهتمام. ففي قاموسه كان هنا فرقاً كبيراً بين عالم البيزنس وعالم العلوم. وكأنه ينظر إلى البيزنس نظرة استعلاء.

ربما كان لتربيته دور في ذلك، فشأنه شأن أغلب من تبقوا من الطبقة المتوسطة في مصر؛ لا تعرف عقولهم عن البيزنس سوى هذا الشكل من أشكال الفساد الذي يأتي بالمال، أو على أقل تقدير النجاح الذي لا يتأتي إلا بكثير من التنازلات عن القيم وكثير من الرشاوي لكي لا يفسد عليك أحدهم محاولاتك.

ثم إذا أنت كنت نجاحاً، سينتهي بكل الحال وقد أصبحت شريكاً بأقل من النصف رغماً عنك لأحد الحكوميين الذين قرروا أن يسطوا على هذه البقرة التي تُدِرُّ المال.

ولو كنت أقل من أن ينظر إليك أحدهم فلن ترحمك الشائعات من أن نجاحك سببه أنك شريك فلان .. الذي لم يسمع بك يوماً.

الجزء السابع:


لم يكن اليوم صعباً بالنسبة لأحمد، فحالة الاستعداد التي تملكت منه في حضور أ/إيفا بالأمس غابت عنه تماماً اليوم. ويبدو أن الإرهاق الذي أصابه بالأمس كان سببه حالة التحفز والضغط العصبي مخافة تفلت الكلمات أو المعاني. أما محاضرة اليوم فلم يكن يكنُّ لها أو لأستاذها هذا التحفز إطلاقاً.

وكان من اليسير عليه أن يتصل بك في طريقه للمنزل، فلا شيء يمنع الاتصال اليوم. إنطلق جرس الهاتف ليعلن أنك على موعدٍ للتحدث إليه مجدداً، تستقبل المكالمة لتسأله في مداعبة سريعة "كيف كانت أستاذتك" فيجيب بصوت يحمل من الإحباط ما لا يناسب الدعابة "لم تكن هي اليوم من تُحاضِرُنا". فتسأله "ولكن ما العيب في ذلك؟ لا تتوقع أن تكون كل الوجبات على ما تشتهي، فبعض الموضوعات يجب أن تكون مختلفة عن شغفك، هذه محاضرات لكل الطلاب وليست لك وحدك". يجيبك بأنه يعرفُ ذلك وليس لديه اعتراض على الأمر، هو فقط يفتقد المتعة التي عاشها أمس. يكمل حديثه ويقول أنه بالرغم من ذلك شاهد اليوم مكتب أ/إيفا. ثم يجدها فرصة لمشاكستك، ويقول لك

"يا بابا يا مكَّار .. مش إنتا برضه اللي كتبت

الدمعُ عبدٌ لريح القلبِ إن عَصَفتْ .. وما للعقل من شأنٍ بأحزاني

يجبرك مزاحُه على الخروج من تعقِّل الأب الناصح إلى مزاح الصديق فتقول له "ما هو أنا لازم أقول لك كلمتين برضه .. مش أب أونطة يعني".

يكمل لك أحمد وصفه لمكتب أ/إيفا. وهو على غير ما توقَّع ليس مكتباً بالمعنى المفهوم. فهي تجلس في غرفة صغيرة من الزجاج في أحد أركان معمل كبير. لم يتمكن من الاقتراب كثيراً والنظر إلى شكل المكتب ومحتوياته. لكن المعمل كان يضم عدداً من أجهزة الحاسب. لم تكُن هي في مكتبها، لكنه رأى كثيراَ من الطلاب ليسوا في فرقته. وعلى عكس المتوقع فإنهم لا يجلسون جميعاً على أجهزة الحاسب، بل إن أغلبهم يجلس على الأرض أو يقف في أحد الأركان وكأنهم أطفال في دار حضانة. والعجيب أنهم فعلياً كانوا يحملون قطع ورقية أو بلاستيكية رقيقة وكأنهم يقومون بإعداد طائرات ورقية.

في كل الأحوال .. هي لم تكن هناك. كانت هذه هي العلامة الأهم بالنسبة لأحمد في كل هذا المشهد.

كنت تسمع من أحمد كل ذلك بقلب الأب وبمجسات الشاعر. فأنت تشعر بما يختلج في نفسه. أن تعرف أنه مشتاق للمزيد من المعرفة. ولكن ليس في يدك شيء تنصحه به. الأفضل أن تستعين بصديق. ولا سيما لو كان صديقاً مشتركاً. تطلب منه أن يذهب ليأكل على أن تعاود الاتصال به أنت وصديقك في المساء.

أنت تعرف أن فاطمة ستصل في المساء، وأنها تستطيع عمل اجتماع عن طريق الاتصال بحيث تكونون جميعاً في نفس المكالمة سوياً. أنت لست خبيراً في تلك الأمور، ربما لأنك تجد من يقوم بها بالنيابة عنك.

تنهي المكالمة وتبدأ في التفكير.

تتذكر كيف كنت في بداياتك، كنتَ صغيراً عندما أحببت الشعر. كنت تعيش في قرية بسيطة لعائلة رقيقة الحال. وكنت تذهب للكتَّاب لتحفظ القرآن .. شأنك في ذلك شأن كل أقرانك. لكنك كنت تحب الاستماع للذِكْر من محفظِّك .. الشيخ سيد. والذِكْر في قرى مصر هو اللفظ الذي يستخدمه الناس للتواشيح الدينية. وليس أجملُ في قرى مصرَ وقتها من صوت التواشيح الدينية تشق صمت الليل. ففي هذا الزمان كان الليل ليلاً، لا صوت فيه إلا للذئاب في الحقول والكلاب في الشوارع والضفادع التي تملأُ الترع والمصارف وصراصير الحقل في الصيف. وكل هذه الأصوات كانت تسكت عند انتصاف الليل وكأن بينها اتفاقاً ضمنياً .. إلا عواء الذئاب. كان يتكرر من وقت لآخر ولا يقطعه إلا أذان الفجر. وقتها حين لاحظ مُحَفِّظُك ميلك للتواشيح قال لك كلمات غيرت حياتك. قالها وهو الخبير في التواشيح، الحافظ للقرآن كاملاً. قال لك "عاوز تفهم الشعر كويس وتحس بيه يبقى لازم تقرأ كتير. تقرأ القرآن كتير عشان تضبط النطق وتحس بالإعراب من المعاني، وتقرأ كل الشعر اللي ييجي في سكتك .. أي شعر، وكمان تقرأ القصص وتدور فيها على المعاني الجميلة"

ولا تنسى أنه أعطاك كتيباً صغيراً لا تتعدى صفحاته الثلاثين .. كان شعراً لنزار قباني. كنتَ أنت آنذاك طفلاً، ولم تدرك كثيراً من المعاني لكنك كنت مقتنعاً بأن أستاذك على حق، فمضيت تقرأ هذا الكتيب وكل ما تصادف. ولأن الحصول على كتاب جديد أمرٌ له تكاليفه المادية علاوة على وجوب توصيه بائع جرائد القرية ليشتريه لك من أقرب المدن وبالطبع سيحصل على الحلاوة فإنك كنت تقرأ نفس الكتب والمجلات والجرائد مرات عديدة من باب تنفيذ ما يقوله أستاذك. تتذكر كل هذا وتعرف أنه كان مهماً لتصل إلى ما وصلتَ إليه. وتعرف أن إبنك الآن في حاجة لنصيحة من خبير .. لكنك تدرك أيضاً أنك لست هذا الخبير. فتتصل بألفريد وتحكي له القصة كاملة وتخبره بأن فاطمة ستقوم بعمل اتصال جماعي في المساء ليرشد أحمد إلى ما يجب فعله.

الجزء الثامن:

قامت فاطمة بسهولة ببدء محادثة مشتركة من هاتفك مع كل من صديقك ألفريد وأخيها أحمد. يبدو الأمر سهلاً إلا أنك لم تجرِّبه لاكتفائك بمن يستطيع أن يفعل هذا بالنيابة عنك.

تبدأ المحادثة ويحكي أحمد كل شيء حدث في آخر يومين. كنتَ أنت وألفريد تستمعان لما يقول. كان ألفريد سعيداً بالجزء الأول على ما يبدو، فقد كان من السهل سماع صوته وهو يؤَمِّن على استنتاجات أحمد وعلى وصفه لمحاضرة أ/إيفا.

لكنه أوقف أحمد عن الحديث حين بدأ يتحدث عن محاضرة نظم المعلومات على اعتبارها شيء غير مهم أو أنها –على الأقل بالنسبة له – ليست في أهمية الرياضيات والفيزياء اللتان يعتبرهما أدواته للمستقبل .. أدواته في CERN

بدأ ألفريد حديثه بسؤال بدا بسيطاً،

هل تعرف علامَ ستستخدم الرياضيات؟

أنت تحتاج إلى بيانات؛ بيانات كثيرة جداً.

هل تعلم كمية البيانات التي أنتجها CERN خلال آخر 3 سنوات من التجارب؟

كنتَ أنت تستمع لهذا الحوار وتتوقع أن أحمد لا يعرف الإجابة

لكن رد أحمد أحمد كان سريعاً وبسيطاً وكأنك تسأله ماذا تناول في وجبة الفطور .. قال 75 بيتا بايت، بمتوسط 800 ميجا بايت في الثانية،

وأكمل أحمد معقباً .. لكن نظراً لأن أوقات تنفيذ التجارب الفعلية تقريباً 1% فقط من حياة المُعجِّل فإن الرقم الحقيقي سيكون في حدود 80 تيرا بايت في الثانية.

[ لأغلب القراء الكرام .. في الغالب هذا يعني 80 مرة حجم كل المساحة التخزينية المتاحة على جهاز حاسوبك ونحن في عام 2020 ثمانين مرة ... في كل ثانية واحدة ]

أنت بالطبع تستمع إلى هذه الأرقام ولا تدرك ما المقصود ولا تدرك حجمها الحقيقي ولا قيمتها، لكنك تلاحظ أن ألفريد يكمل الحديث دون أي انبهار وتشعر أنك الوحيد الذي لا يعلم ما يدور حوله.

يكمل ألفريد أسئلته قائلاً: وكيف تظن أنك قادر على التعامل مع أي جزء صغير من هذه البيانات حتى لو كان 1 على مليار لتقوم بعمل تجربة أو لتختبر فرضية معينة؟

يبدو أن أحمد فهم الرسالة، لكنه مع ذلك أجاب، ولماذا أحتاج أنا لأفعل ذلك إذا كان في CERN باحثين آخرين متخصصين في هذه الأمور

وكان سؤال ألفريد جاهزاً .. "ما هي صعوبة عمل طبيب الأطفال عن أي طبيب آخر؟"

لم يُجِب أحمد .. وبعد قليل من الصمت قال ألفريد: أن الأطفال غير قادرين على وصف ما يؤلمهم. هم يكتفون بالبكاء. هذا يجعل عمل أطباء الأطفال وبالذات الأطفال أقل من 3 سنوات صعب للغاية.

لكن لا أحد في CERN يتوقع أطفالاً يريدون الحصول على درجة الدكتوراة

هم يتوقعون أناساً على أعلى مستوى، هم يتوقعون أنك قادر على أن تقوم بكل شيء بنفسك

وأن احتياجك لعملهم ليس سببه أنك تجهل ما يفعلون، ولكن أن مهاراتك تجعل وقتك أكثر قيمة في شيء آخر

كما أن مهاراتهم تجعل وقتهم أكثر قيمة فيما يفعلون

ولن يتوقعوا منك أن تقوم بعملهم، ولكنهم سيتوقعون منك أن تطلب منهم بالتحديد ما تريد، وأن تطلب ذلك وأنت تعرف كيف سيحصلون عليه وأن تطلبه وأنت تتوقع كم من الوقت والجهد سيحتاج. لأنه لا قيمة أن تطلب شيئاً سيحتاج إلى سنوات إذا كنت تريد النتائج غداً

لو أردت أن تدرس الرياضيات لأنك تحبها والفيزياء لأنك تعشقها .. فيمكنك دراستهما ثم العودة لمصر والعمل في أي وظيفة

إذا أردت CERN فعليك أن تُعدَّ نفسك لـ CERN

كنت أنتَ تفهم تماماً المنطق خلف كلام ألفريد باستثناء الجزء التقني الذي لم تفهمه بالشكل الكافي ولا تعتقد أنك تحتاج إلى ذلك

ولكنك مع ذلك تشعر بأن القضية قد تم حسمها بنجاح

إلا أن ألفريد عقَّب قائلاً لأحمد: أريد منك أن تذهب للبروفيسور/إيفا وأن تحكي لها ما تريده وتطلب مشورتها

لم يُجِب أحمد مباشرة، حتى أنك ظننتَ أن هناك مشكلة بالمكالمة، لكن أحمد بعد 4 ثواني تقريباً تساءل: أحكي لها؟ هل تقصد أن أحدثها؟

للحظة يبدو أن الصورة الذهنية عن عبقرية الأستاذة إيفا جعلته ينظر إليها باعتبارها محطة بث فضائية .. ترسل لنا ما تريد دونما أن يكون من حقنا أن نرد أو أن نسأل. ولا شك أنك أنت أيضاً كانت لديك نفس هذه الصورة الذهنية. أن أشخاص في هذه المكانة العلمية يجب علينا أن نفهم أنهم غير متفرغين للرد على كل شخص.

لكن ألفريد الذي لاحظ أيضاً اللهجة الاستنكارية لسؤال أحمد قال له: أنت الآن من طلابها وهي مسئولة عنك بشكل من الأشكال. ما قيمة أن تدرس معها إذا كنت لن تتحدث إليها وتسألها عما يجول بخاطرك؟ لماذا إذن لم تكتفِ بقراءة كتبها وتريح نفسك من عناء السفر والاغتراب؟ عليك أن تسألها بعد انتهاء المحاضرة التالية.

تنتهي المحادثة الهاتفية بينكم بسرعة بعد هذه النصيحة من ألفريد لأن أحمد بدا مشغولاً بالتفكير في هذه النصيحة. وكأنه غير مقتنع بإمكانية هذا الطلب.

وتجلس أنت وتمسك ببعض أوراقك لتبدأ في ديوانك الجديد.

حوالي ثلاثة أشهر مَضَت لم تكتب فيه بيتاً واحداً. لا تستطيع أن تمسك الأفكار، رغم أنك تشعر بها، الأفكار حولك في كل مكان تطوف كالأرواح التي لا تستطيع أن تمسك بها. لعله من المناسب أن تبدأ الآن .. فالوقت يمر وهذا ليس في صالحك ولا في صالح الديوان الجديد.

لكن أثر المكالمة يدفع عقلك لذكريات قديمة رغماً عنك، تشعر بأن هناك فارق كبير بينك وبين ألفريد. وتشعر بحسن حظ أحمد أن صديقك ألفريد لا يفكر كما تفكر أنت.

فأنت نشأت في مصر في هذه البيئة التي اعتاد فيها الناس أن من علَا شأنُه قل حقَ الناس في الحديثِ إليه. فتذكر أيام أن كنت طالباً في الجامعة، كان أغلب الأساتذة الكبار (إلا ما ندر) لا يتحدثون إلى الطلاب ولا يجيبوهم على أسئلتهم خارج المحاضرة. كانوا يقولون صراحة أن من يريد أن يستفسر عن شيء عليه أن يرجع للمعيدين والمدرسين المساعدين. رغم أن بعضهم كانوا عكس ذلك. إلا أن الأغلبية كانت كافية لتجعلك تتجنب فكرة سؤال كبار الأستذة عن أي شيء.

وتذكر أيام أن كنت في التجنيد، كانت كتيبتك وقتئذ قريبة من العريش. وكنت حينها تقضي الليل مع زملائك تقص عليهم من شعرِك وشعر غيرك. فالصحراء والجيش يخلقان سوياً الوقت والضغط الكافي لإظهار أعمق ما في الجنود. تماماً كتأثير الضغط والوقت على بواقي احتراق الشجر .. إنها مصدر أفضل أنواع الماس.

الفارق أن الأشخاص الطبيعيون في الحياة لا يحرقون الأشجار إلا لسبب، وأنهم أيضاً يُقَدِّرون الماس.

تتذكر كيف أن قائد كتيبتك سمع عنك من المجندين فقرر استخدام مهارتك تلك في واحدة من الاحتفالات التي سيحضرها قائد المنطقة.

لن تنسى أبداً حين أدخلوك عليه في مكتبه ليقولوا له أنك ستقول الشعر .. تحركت أنت بمنتهى الاحترام نحو مكتبه لتلقي التحية العسكرية كأي مجنَّد.

لكنك أخطأت باقترابك من المكتب الذي يجلس عليه

كنت على بعد مترين تقريباً من المكتب حين توقفت لإلقاء التحية

فأمتعض وجهُه وقال لك ... "إرجع مترين يا عسكري" قالها بكثير من القرف،

وأحسست أنت بإهانة بالغة. وقبل حتى أن تتراجع كان قائد منطقتك يجذبك من ذراعك لتتراجع مسافة (مقبولة)

خرجت من هذه المقابلة ورفضتَ أن تلقي الشعر في الاحتفال ولم تفلح كل الأوامر في إثنائك عن موقفك ودفعت ثمن ذلك بالحبس أسبوعين ثم الحرمان من الأجازات خلال الشهور الخمسة التالية على الاحتفال.

تتذكر كل ذلك وأنت سعيد بأن ابنك الآن في وضع أحسن

فهو قادر على أن يستفيد من الدنيا ومن الأساتذة؛ قادر على أن يعيش حياة طبيعية

غير أن عليه أولاً أن يتخلص من طريقة التفكير التي تربى عليها، فهي كالسلاسل التي تشده للأرض، تمنع عقله من السباحة والتفكير بحرية

وتساءلت بينك وبين نفسك، ما فائدة الكبار إذا لم نكن قادرين على الاستفادة من علمهم ومن خبراتهم إلا من خلال وسطاء؟

من الذي قال أن هؤلاء الوسطاء قادرين على نقل معارف الكبار بشكل صحيح أو حتى بأمانة؟

إذا كان الكبار لا يتحدثون للأجيال الجديدة ولا يحاورنهم .. فكيف نطلب من الأجيال الجديدة ألا تخترع العجلة من جديد؟

ثم ما أدرانا أصلاً أن هؤلاء الكبار كبار حقاً. إذا لم نكن قادرين على نقاشهم فربما يكونوا مجرد أصنام مثل تلك التي حطمها سيدنا إبراهيم

كان تحطيم الأصنام هدماً لقيمتها غير الحقيقية في نفوس من عبدوها .. كان من يعبدونها يوقفون عقولهم قسراً عن تقييم هذه الأصنام

حتى أنهم لم يواجهوا أنفسهم بأنها أصنام لا تنفع ولا تضر وليست لها أي قدرة من أي نوع إلا حين وضعهم سيدنا إبراهيم في تحدي مع أنفسهم بقوله أن الصنم الأكبر هو من دمر الأصنام الباقية

كم من الأصنام نصنع لأنفسنا كل يوم؟

يبدؤون بشراً .. ثم يتوقفون عن التواصل مع البشر... فقد علا شأنهم

أوليس هذا هو التعريف الحرفي للأصنام .. غير أن أصنامنا يعيشون ويأكلون ويشربون ويتنفسون؟

لكن في المقابل كيف سيجد الكبار وقتاً لنا جميعاً أو حتى لبعضٍ منَّا؟ كيف سيجيبون على كل سؤال؟ ولو أنهم فعلوا فكيف سيكتسب الصف الثاني بعدهم خبرة التواصل مع الناس؟

تقول لنفسك كل هذا ... ثم تفكر "هل يمكن لأحمد أن يفهم كيف يحل الغرب هذه المسألة؟"

الجزء التاسع: (عصير المخ)


Image source: https://leaderonomics.com/functional/coloured-brain-leader


في الصباح التالي كان أحمد رغماً عنه يشعر بأنه مُذنِب. لم يكن سبب شعوره بالذنب أنه قلل من قيمة محاضرة نظم المعلومات، ولكن كان السبب أنه خائف. خائف من محاولة التحدث إلى الأستاذة إيفا. لا يوجد مبرر دقيق تستطيع أن تضع يدك عليه لهذا الشعور. فهو مزيج من الخوف من اللقاء والشعور بالذنب بسبب الخوف من اللقاء والخوف من عدم اللقاء والخوف من أن تكون إجابتها أنه أساساً لا يصلح للهدف الذي اختاره لنفسه. المؤكد أن أحمد لم يكن على ما يرام في هذا الصباح.

أ/إيفا لن تحاضرهم اليوم وبالتالي فإنه سيكون مضطراً إلى أن يتوجه إلى مكتبها.ذهب إلى مكتبها الذي كان فارغاً كما كان أمس. لكنه اليوم اقترب أكثر من هذه الغرفة الزجاجية، كان اقترابه أكثر للفضول، ولعله فكر أنه ربما يلفت انتباه أي شخص فيجد من يساعده في الوصول إليها. بالفعل .. حين اقترب أكثر من اللازم سمع صوتاً نسائياً يقول بالألمانية "من فضلك .." تلفت ليجد شابة ألمانية جميلة تقريباً في سن فاطمة إلا أنها أطول من فاطمة قليلاً. كثير من الهدوء في ملامحها مع جدية ألمانية جميلة. تمد يدها لتسلم عليه. قبضتها قوية كما لو كانت بطلة رياضية. وتقول له "فايهمان ... ماتيلدا فايهمان" هذا هو اسمها، فيقدم نفسه "نديم .. أحمد نديم"

تسأله "كيف أستطيع مساعدتك" فيجيبها بأنه يرغب في لقاء الأستاذة/إيفا

فتسأله "بورفيسير/شنايدر"

يتذكر أحمد أنه في ألمانيا، ويجب عليه استخدام إسم العائلة للسؤال عن شخص بدلاً من السؤال عنه باسمه، يأخذ بعض الوقت قبل أن يقول "نعم .. بروفيسير/ إيفا شنايدر"

فتخبره أنها سافر إلى سويسرا

تيدأ الأمور بالالتباس على أحمد .. يبدو أنها تتحدث عن شخص آخر

كانت الأستاذة إيفا تحاضره أول أمس، يبدو أن هذه الفتاة تتحدث عن شخص آخر

فيحاول أحمد أن يخبرها بأنه يقصد الأستاذة إيفا شنايدر أستاذة الرياضيات

فتعيد إخباره مرة أخرى ولكن ببط لأنها لاحظت أنه ربما لا يفهم الألمانية بشكل جيد

قالت له "لقد سافرت صباح أمس لسويسرا ولن تعود قبل يوم الخميس. وبالتالي يمكن أن تجدها صباح الجمعة بين الساعة التاسعة والساعة العاشرة إلا عشر دقائق، لكن عليك أن تأخذ موعداً .. هل أنت من طلابها؟"

فيجيبها نعم

فتسأله هل سؤالك بشأن موضوع علمي أم أنه سؤال عام؟

فيجيبها أنه سؤال متعلق بالدراسة لكن ليس بموضوع علمي محدد

فتسأله "هل تعرف أنه من الممكن لك أن تتواصل مع مجموعات من الطلاب المتخصصين في الإجابة على الأسئلة المتعلقة بالدارسين الجدد؟ يمكنني أن أمنحك بيانات الاتصال بهم إن أردت"

فيجيبها أحمد أن الموضوع ربما أكثر تعقيداً من ذلك وأنه أمر شخصي أكثر من كونه سؤالاً عاماً

تتغير لهجتها قليلاً لتصبح أقل جدية وتسأله "هل تأجيل سؤالك حتى يوم الجمعة سيؤثر عليك بشكل ما؟"

لم يفهم أحمد ما تقول أو ربما لم يتوقعه، فسألها .. ماذا تقصدين؟

فقالت له "لو أن هناك إحتياج ضروري لأن تسألها قبل أن تعود من سويسرا فيمكنني أن أحاول"

يشكرها أحمد كثيراً ويقول لها أنه لا مشكلة إطلاقاً في الانتظار

تعيد ماتيلدا التأكد من إسمه "نديم؟" فيقول لها "نعم .. نديم" ثم تسأله عن الفرقة التي يتبعها فيخبرها أنه في السنة التمهيدية

فتبتسم له ابتسامة عطف .. وكأنها تشفق عليه أن الطريق أمامه طويل

ثم قالت حددتُ لك 10 دقائق، من التاسعة والثلث إلى التاسعة والنصف

حاول أحمد أن يصف لها أنه سيحتاج أكثر من ذلك لكن قبل أن يكمل جملته قالت له ماتيلدا لا تقلق، ستقرر أ/شنايدر إذا كانت ستحتاج لتحديد موعد آخر إذا رأت أن الموضوع يحتاج لوقت أكبر. لا تقلق إطلاقاً .. سيكون كل شيء على ما يرام.

ماتيلدا ليست استثناءً ، فأغلب الألمان دقيقين في أسئلتهم، حريصون على تحقيق الهدف الذي تسأل عنه بأكثر الطرق كفاءة. وبالرغم من أن البعض يصف الألمان بأنهم شعب يصعب التعامل معه .. إلا أن هذا غير حقيقي بالمرة.

هم شعب جاد ومشغول، ولكنه ودود لجيرانه وأصدقائه، ومخلص في معاونتك حين تحتاج إلى ذلك. بالطبع هناك استثناءات .. لكن القاعدة بلا شك في صالح الألمان. والمحظوظون يكون جيرانهم من كبار السن حيث تستطيع وقتها أن تكون مفيداً لهم بمساعدتهم وقتما تستطيع وهم لن يبخلوا عليك بمشاعر الأهل كما لو كانوا أهلك فعلاً.

كان قلب أحمد (كما نقول في مصر) قد سقط في إحدى قدميه ظناً منه أن أ/إيفا قد تكون غادرت الجامعة كلها. لكنه اطمأن حين عرف أنها فقط سافرت لبضعة أيام. كان عليه في كل الأحوال أن ينتظر ليوم الجمعة.

يخرج أحمد وقد شعر بكثير من الارتياح. لكن إحساسه بالارتياح لم يكن له لون واحد. هكذا هي مشاعر البشر. كثيرون منا ينخدعون حين يصفوا مشاعرهم أو مشاعر غيرهم. يظنون في أي لحظة أنه من الممكن أن يكون لديك شعور واحد نقي. بينما الحقيقة أن المشاعر هي نتاج كيمياء تعتمل داخل المخ. كل أفكارنا لها مشاعر ترتبط بها. تفكر في شيء يسبب لك السعادة، فيستدعي عقلك الذكريات من خلال إعادة إنتاج كيمياء هذه المواقف. مائة مليار خليه عصبية في مخ كل شخص.

فإذا ظهرت أمامك أسباب للخوف فسوف تبدأ سلسلة من تفاعلات كيميائية داخل المخ لا تغير مشاعرك فقط ولكنها ستغير إفراز جسمك للإدرينالين مثلاً، كما ستنشط وصلات محددة في المخ أكثر من غيرها. المواد الكيميائية مهما قلت كمياتها تحتاج إلى وقت لتتحلل. وكأنها تلون عقلك بشعور ما. ثم لا ينتهي هذا الشعور في نفس اللحظة بل يأخذ وقتاً ليخبو.

وعادة ما تختلط الألوان داخل المخ، تماماً كما تقرر أن تجهز كوكتيل من الفراولة والموز والمانجو. حين تبدأ يكون كل لون مستقل ولكن داخل الكوب ومع كل ثانية تندمج الألوان فلا تستطيع أن تميز سبب واحد للون العصير. كذلك مشاعرنا أو ما أحب أن أطلق عليه عصير المخ. هو مزيج من العصائر الملونة التي تلقيها الكيمياء على عقلك.

لذلك فإنك حين تكون غاضباً جداً أو سعيداً جداً أو حزيناً جداً فإن هذا لا يعني أن لديك شعور واحد. إنه فقط يعني أن أغلبية الكيمياء الآن هي كيمياء متعلقة بهذا الشعور.

في حالة أحمد كان مصدر سعادته (رغم أنه لا يعرف ذلك) هو مزيج من كونه سيقابل أ/إيفا لمدة 10 دقائق، وراحته بأنه أُعفِيَ اليوم من لقائها، فهو يتمنى لقاءها ويخاف من اللقاء. وشعوره بالارتياح الآن يحمل على الأقل هذين اللونين.

ولأن الألوان تحتاج إلى وقت لكي تخبو أو ألوان أخرى لكي تطمسها .. فقد بقي معه هذا الشعور حتى وصل مكان المحاضرة. لن يتذمر مهما كان موضوع المحاضرة بعد كلمات ألفريد بالأمس. فقد تعلم الدرس جيداً.

على كل الأحوال كانت هذه محاضرة في علم الإحصاء. وهو علم قريب جداً من الرياضيات، فلا بأس إذن بمزيد من المتعة ومزيد من عصير المخ المبهج.

الجزء العاشر: (اللقاء الأول)

يومان كانا يفصلان أحمد عن لقاء أستاذته. خلال هذين اليومين لم يفعل أحمد أي شيء باستثناء محاولة ترتيب ما سيقوله خلال القاء كي لا يُغفل أمراً من الأمور. فأمامه فقط وقت ضيق جداً ليعرض قضيته.

في محاولته الأولى لمقابلة أ/إيفا لم يكن هناك الكثير من الوقت للتفكير في كيفية تقديم موضوعه لها

كما لم يكن هناك تصور لكيفية اللقاء أو ما إذا كان سيلتقي بها أصلاً

أما الآن فكل شيء أصبح واقعاً

وهو سيقابلها .. فرصة عظيمة ومخاطر كثيرة تدور في رأسه

فقد يظهر لها نبوغاً يشجعها على مساعدته في مسعاه

وقد يخطئ في أي شيء فيعطي انطباعاً سيئاً لا يمكن تغييره

وقد لا يفلح في عرض سؤاله بالشكل المناسب فينتهي به الحال وقد خسر هذا اللقاء الثمين

حين يجلس أحمد مع نفسه ليفكر يجد أنه في حيرة كبيرة

هل يمكنه أن يقابل أستاذة بهذا المقام ليحكي لها أنه لا يشعر بالاهتمام الكافي بمادة من المواد التي لا تدرسها هي أصلاً؟

ثم إن لقاءً بأستاذة إيفا يجب أن تكون الأسئلة فيه على قدرها

لم تكن من الحكمة أن ينفرد أحمد بهكذا قرار، فاتصل بك واتصل بألفريد وحينها قال له ألفريد:

"لا يمكنك أن تقصد باب رئيس الوزراء لتسأله عن درجة الحرارة غداً. ولا أن تسأله عن صحتك. فهو أكبر من أن يجيبك عن السؤال الأول وهو لا يعرف شيئاً عن السؤال الثاني.

إذا فتح لك الباب عليك أن تسأله سؤالاً يعرف إجابته وفي نفس الوقت سؤال لن يجيبك فيه غيره.

استاذتك فتحت لك الباب، فلا تسأل سؤالاً سخيفاً

هل تعرف لماذا طلبت منك محادثتها بالأساس؟"

فيجيب أحمد .. "لأنك تريدها أن تقنعني بالإقبال على كل المواد."

فيجيبه ألفريد "بالطبع لا، فأنا فعلتُ ذلك بالفعل. ألم أقنعك بأنه لا مستقبل لك في CERN إلا إذا كنت ملماً بكل الموضوعات التي يتم تقديمها لك وربما أكثر؟"

فأجابه أحمد "نعم اقتنعت .. لكنك مع ذلك طلبت مني أن أجلس معها"

فقال ألفريد "تجلس معها لتريها نفسك، وتريها أهدافك، وتحاول أن تكون لك فرصة التتلمذ على يديها وليس مجرد أن تكون طالباً تحصل منها على بعض المحاضرات. نحن لم نفعل كل ذلك لتجلس على مقربة منها .. ولكن لتلازمها"

يعتقد أحمد أن ألفريد يُخرِّف، أو ربما عنده آمال عريضة بشأن أحمد أكثر من آمال أحمد نفسه

لكن أحمد لديه موعد معها، ويحتاج إلى قرار، فيكرر السؤال مرة أخرى "هل معنى ذلك أن أسألها أن تساعدني في الوصول إلى CERN"

فيقول ألفريد "لا بأس بذلك كبداية. لكن تذكر أنك تضع بين يديها حلم حياتك الذي استثمرت فيه أربع سنوات وأكثر، فلا تضيع هذه الفرصة"

في صباح الجمعة كان أحمد مرهقاً للغاية، ظل يفكر في الكلمات أغلب الليل، ورغم أنه ضبط المنبة ليوقظه في الصباح قبل موعده مع أستاذته بأكثر من ساعة ونصف إلا أنه كان خائفاً من أن يحدث أي شيء فلا يوقظه الهاتف. ظل كل نصف ساعة أو أقل ينظر للهاتف ليتأكد من أنه مضبوط على الموعد الصحيح وأن البطارية مشحونة وأنه لا يوجد ما يدعو للخوف من تضييع الموعد. ولم يجدي كل ذلك نفعاً في أن يمنعه من الخوف .. لكنه حتماً منعه من النوم.

حين أصبحت الساعة السابعة والنصف تقريباً، غادر سريرة وارتدى ملابسة وقرر ألا يحمل في هذا اليوم إلا أقل ما يحتاج إليه. فلم يأخذ إفطاره لأنه لم يرغب في أن يدخل على أستاذته ومعه طعام. أخذ حافظة نقوده ومعها مفتاح غرفته وبطاقة إقامته في ألمانيا كطالب وبطاقة الكلية وكراسة وقلم رصاص في دوسيه شفاف.

وصل إلى الجامعة في الساعة الثامنة.. ولم يجد أي شيء يفعله. هو لا يرغب في فعل أي شيء، لونٌ واحد يسيطر على عقله الآن. يشغل كامل المسرح ويسحب كل الانتباه. إنه القلق.

حين أصبحت الساعة 7:47 دقيقة رأى ماتيلدا قادمة إلى هذا المعمل الذي يضم مكتب أ/ إيفا.. كانت تحمل كمية كبيرة من الأوراق. بينه وبين نفسه بدأ يفهم سر قبضة ماتيلدا الرياضية بامتياز.

ماتيلدا قادمة إلى حيث يقف، فهو يقف قريباً من مدخل المعمل، ويبدو أنها لم تتذكر وجهه مباشرة. لأن وجهها تغير حين تذكرته وكانت على بعد حوالي 6 أمتار منه تقريباً حين ظهر جلياً أنها تشعر ماتيلدا بقلق كبير. يبدو أنها شعرت بأنها بالخطأ لم تبلغه بالموعد الصحيح، أو ربما كان من الأفضل أن تكتب له الموعد في ورقة لتطمئن إلى أنه لم يفهم الرقم خطأً بسبب عدم إتقان الألمانية مثلاً. هذه عادة ألمانية أصيلة. حين يخبرك شخص بمعلومة بحكم عمله فإنه في الغالب سيكتبها لك في ورقة أيضاً كي يطمئن إلى أن المعلومة وصلتك بشكل صحيح. وربما حتى في بعض الأحوال يرسلها لك بالبريد حيث تقيم.

تقترب منه وعلى وجهها ذلك القلق الأقرب للاعتذار قائلة "صباح الخير، أهلاً بك. إن موعدك بعد الساعة التاسعة على ما أذكر .. هل تعلم ذلك؟"

فيجيبها أحمد قائلاً "أعلم ذلك، لكنني خفت أن أتأخر عن الموعد"

تحاول أن تتذكر إسمه فيقول لها "نديم .. أحمد نديم"

زال عن ماتيلدا إحساسها بالقلق وإحساسها بالذنب وبدا على وجهها الارتياح وهي تسأله باستغراب وابتسامة "أين تسكن يا نديم؟ في الجانب الآخر من العالم؟"

يبتسم لها ويقول لا .. القصة فقط أنني أخشى جداً أن يضيع موعدي مع أ/إيفا، وهو أمر مهم جداً بالنسبة لي، إنه مستقبلي بالكامل

تبتسم له ماتيلدا من جديد وتقول، "سيد نديم،أؤكد لك أنه يمكنك أن تعتمد على دقة مواعيد المواصلات في ألمانيا .. إذا ركبت نفس المواصلة 100 مرة فستتأخر فقط 3 مرات على أقصى تقدير. ولن يزيد تأخيرك في كل الأحوال عن الزمن الفاصل بين مواصلتين، وهذا في الغالب 7 دقائق، وبالتالي كان يكفيك أن تخطط لتأتي قبل موعدك بخمس عشرة دقيقة مثلاً. وفي حالة حدوث مشكلة كبيرة في المواصلات فإن هذا الأمر يتم إعلانه بشكل تفصيلي على مواقع مؤسسات إدارة المواصلات وبالتالي يمكنك إرفاق نسخة من البيانات الخاصة بالتأخير مع خطاب اعتذار وطلب موعد آخر.


أحمد يعرف أغلب ما تقوله ماتلدا، غير أنه لم يتخيل الأمر بهذه الدقة. على كل الأحوال رأى أنه من الأفضل أن يوضح لها الأمر فقال "في الحقيقة أنا أقطن على مسافة 30 دقيقة سيراً على الأقدام .. في سكن الطلاب. ولا يحتاج الأمر أكثر من 7 دقائق إذا استخدمت الأتوبيس. الموضوع أنني قلق. ولم أستطع النوم بالأمس أولاً لخوفي من أن لا أستيقظ في الموعد المناسب لأي سبب. وثانياً لأنني أخشى أن أفشل في تقديم سؤالي بشكل واضح بما سيخلق عني صورة سلبية أمام الأستاذة شنايدر."

تجد ماتيلدا الأمر مضحكاً دون أن يفهم أحمد السبب، فتدخل المعمل بعد أن تقول له "تعالى معي"

تطلب منه الجلوس إلى إحدى الطاولات الخالية من أي أوراق أو أجهزة حاسب. لا يوجد عليها أي شيء باستثناء بعض الأرواق البيضاء والأقلام. يجلس بينما هي تضع كومة الأوراق التي كانت تحملها على نفس الطاولة وتتجه لأحد أركان المعمل حيث توجد ماكينة لتجهيز المشروبات الساخنة. وتسأله وهي في الطريق .. هل تشرب القهوة؟ فيجيبها نعم، فقط كمية قليلة.

كان عدد الطلاب في المعمل أقل، فقط 5 على الأكثر. بالتأكيد سبب ذلك هو أن الوقت ما زال مبكر جداً. لكن الغريب أن أحمد لم يرَ أياً منهم يدخل المعمل. يبدو أنهم كانوا هناك قبل حتى أن يصل.

لحظات وتعود ماتلدا ومعها كوب من القهوة تقدمه لأحمد قائلة لا تتعود على ذلك، في المرة القادمة ستجهز قهوتك بنفسك. يشكرها

تبدأ ماتيلدا بإعطاء أحمد درس مهم، "نديم، يجب أن تعرف أنك هنا طالب، أي أنك أهم شخص في كل هذا المكان. إذا أخطأت سيتم تعليمك كي لا تخطئ مجدداً. إذا لم يكن سؤالك واضحاً فستجد من يحاول التأكد من أنه فهمك بشكل صحيح. نعم عليك عبء كبير جداً وواجبات كثيرة.

لكن هذا العبء وهذه الواجبات متعلقة بتحقق هدف التعليم، وليس هناك أمور شخصية في التعليم

لا يجب أن تخاف من أن تخطئ في السؤال

لكن يمكن أن تخاف من أن لا تجهز نفسك لكي تسأل السؤال الصحيح

لا عيب حتى في أن تجتهد ثم تكتشف أنك لا تعرف ما تريده بدقه

فأنت طالب. قد تكون يوماً من الأيام رئيس هذه الجامعة أو في مكان أ/شنايدر أو في أي مكان في العالم تشعر أنه يرضيك

أستاذة شنيدر أستاذة خبيرة وممتازة وستستطيع مساعدتك ولن تجيبك أو تنصحك قبل أن تتأكد أنها تفهم ما تحتاجه

الآن إشرب قهوتك لأنك تحتاج أن تكون يقظاً لتفهم ما ستقوله لك، وعدم نومك بالأمس لن يكون مفيداً جداً في هكذا موقف

بقدر ما كانت كلمات ماتلدا مريحة لأحمد بقدر ما كانت تعيد تحديد مكانه على خارطة الدنيا (في عقله على الأقل).

فهو لم يعتَد أن يكون مقبولاً منه أن يخطئ

ولم يعتَد أن يكون مقبولاً منه أن يفشل في وصف ما يريد

لونان إذن في عقل أحمد الآن، قليل من الارتياح، وقليل من إحساس المسافر.

إحساس المسافر هو ذلك الإحساس الذي نشعر به ونحن نترك مكاننا الذي ألِفنَاه وألِفَنا إلى مكان جديد علينا اكتشافه. مكان لا نعرف فيه بالتحديد ما هي مسئولياتنا، وما هي حقوقنا. مكان نحن متأكدون من أنه سيحتاج إلى أن نرتبه لأنفسنا ونرتب أنفسنا له.


في الساعة 8:42 دقيقة دخلت الأستاذة شنايدر إلى المعمل وكانت كلتا يداها مشغولتان. فهي تضع هاتفها بيدها على إحدى أذنيها بينما تجر باليد الأخرى حقيبة سفر حمراء متوسطة وضعت فوقها حقيبة سوداء جلدية. يستطيع أحمد أن يميز الحقيبة السوداء. فهي نفسها التي كانت معها أثناء المحاضرة. كما أن غلالة ورقية حول مقبض الشنطة الحمراء تحمل العلامة المميزة لطيران سويسرا.

استأذنت من تحدثه ثم حركت الهاتف ليقترب من باب المكتب الزجاجة ليُفتح الباب تلقائياً ثم أعادت الهاتف لأذنها وأدخلت حقيبتها إلى المكتب وخرجت تشير لكل واحد على حدة بما في ذلك ماتيلدا ةحين وقعت عيناها على أحمد رسمت على وجهها نظرة لن ينساها

الجزء الحادي عشر:


Image source: https://robertjrgraham.com/

فلاحة مصرية جميلة تستيقظ من نومها، تصعد لسطح منزلها لتطعم دجاجاتها، فتجد بينهم عصفوراً مبتلَّاً

كان هذا هو الوصف الأقرب (في ذهن أحمد) للنظرة التي رآها على وجه أ/إيفا حين لمحته، فهو وجه غريب بين هذه الوجوه الكثيرة التي تعرفها جيداً. ماذا يفعل هذا الغريب في معملي ؟؟

إستنتج من ذلك أنها تعرف كل شخص هنا، وأن وجوده أمر مُستغرَب

لم يفكر كثيراً .. فقد أشارت له تدعوه ليذهب إليها

كان أحمد متأكداً من أنها تشير إليه ليذهب إليها، ومع ذلك فقد رفع يده في الهواء كما لو كان يستأذن للقيام من على الكرسي الذي يجلس عليه، ثم وجد ذلك سخيفاً

كانت لا تزال على الهاتف حين أشارت إليه.

حوالي 20 خطوة على الأكثر كانت تفصله عن الأستاذة إيفا، كان يخطوها .. ومع كل خطوة تسقط من رأسه كلمة أو جملة من تلك التي كان قد أعدها للقاء، توقف على بعد مترين منها .. حدقت فيه مبتسمة (غير أن ابتسامتها لم تستطع أن تمحو هذا الحزن الواضح في وجهها والذي رآه منذ رآها في أول مرة)

أنهت مكالمتها بسرعة ثم سألته .. من أنت ؟

فقال لها "نديم .. أحمد نديم، من طلاب السنة التمهيدية"

فسألته "وماذا تفعل هنا الآن، أعرف أن موعدنا في التاسعة والثلث"

فأجابها "نعم .. لكنني كنت خائفاً من أن أتأخر لأي سبب فقررت الحضور مبكراً"

أشارت لماتيلدا فقدِمت إليهما وقالت لها .. غيري موعد السيد نديم .. سأجلس معه الآن

في حين شعر أحمد بدوار ونسي كل شيء تقريباً طلبت منه أ/إيفا أن ينتظرها في غرفتها لدقيقة

بينما كان هو يتجه لغرفتها كانت هي تتجه نحو ماكينة القهوة

مكتب الأستاذة إيفا بسيط للغاية، ثلاث كراسي أنيقة من النوع المتحرك لونها سمني وطاولة زجاجية على أرجل معدنية. صورتان على الطاولة إحداهما لعائلتها (رجل وطفل أو طفلة صغير جداً أقل من سنة) عدد من الملفات. شاشة كبيرة بيضاء على مكتبها، ووحدة معالجة من النوع الصغير (أكبر قليلاً من علبة السكر المكعبات)

يشعر أحمد أن كل ما يراه هو خليط من الحقيقة والحلم. والسبب في ذلك أنه كان في حالة من عدم الاتزان. لا شك أن قلة النوم ومفاجأة اللقاء وهروب كل الأسئلة والكلمات من عقله كان لها أثر كبير في الحالة التي وصل إليها .. كان يحاول جمع أفكاره دون أدنى فائدة. لاحظ أن ماتلدا قادمة للمكتب، لكن عينيه كانتا ملتصقتان بمكان الأستاذة إيفا. كان يتمنى ألا يمضي الزمن وأن تبقى عند ماكينة القهوة أطول وقت ممكن حتى يتمكن من تذكر كل ما نسي.

دخلت ماتلدا تحمل القهوة التي تركها على الطاولة في الخارج قائلة لقد نسيت قهوتك، و وضعتها أمامه، وكانت تحمل في يدها الأخرى دفتر صغير مُعلَّقٌ عليه قلم رصاص. خرجت من الغرفة لتتجه إلى الأستاذة إيفا عند ماكينة القهوة. كان أحمد يشعر أن الوقت يخنقه، وكأن عقرب الثواني يلف حول رقبته وليس حول مركز الساعة.

ما زالت عيناه معلقتان على أ/إيفا التي تعد قهوتها

حدث كل ذلك في ثلاث دقائق بدت شديدة القصر وشديدة الطول في نفس الوقت، وبين طول الوقت وقِصَرِه كان عقل أحمد مشدوداً ككرة من المطاط.

هاهي الأستاذة إيفا تتحرك قادمة إلى مكتبها، وفي يدها فنجان القهوة.

كان صوت أقدامها على الأرض قد تطابق حرفياً مع ضربات قلب أحمد .. إنه كورتيزول ما بعد القهوة وقد التحم مع أدرينالين الخوف فحوَّلا معاً جسده إلى ماكينة نشطه وعقله إلى حصان جامح .. لا يرى جيداً ويصعب ترويضه الآن.

كان أحمد قادراً على سماع صوت النبض في أذنيه

دخلت هي المكتب، وضعت فنجان القهوة على الطاولة ثم جلست على كرسيها وسألته "سيد نديم، أهلاً بك"

الألمان محترمون جداً في تعاملاتهم حتى أن اللغة الألمانية فيها كلمات مختلفة للتوقير عن تلك المستخدمة للأصدقاء والأقارب، وهم حريصون على حفظ المسافات في التعامل كي لا يشعر الطرف المقابل أن شخصاً ما يتعدى على حدوده وخصوصيته. وبالتالي فقد كان طبيعياً أن تسبق إسمه بكلمة "سيد"

بالنسبة لأحمد، كانت هذه الكلمات تعني أن ساعة الحقيقة قد حانت

عليه الآن أن يتحدث إليها، وأن يحكي لها ما يريد، وبقي له في حضرتها عشر دقائق بدأت الآن.

بدأ أحمد كلامه بقوله "أهلاً بِكي بروفيسير/ شنايدر .. أشكرك لتوفير وقتٍ لي"

كانت أ/ إيفا إنسانة ذكية مرهفة الحس، وأستاذة خبيرة، ويبدو أن كل ذلك مع الضجة التي كانت تعتمل في نفس أحمد جعلها تدرك أنه مرتبك بشدة. فقررت أن تلطف الأمور قليلاً فقالت له "لا تشكرني .. أشكر الجامعة فهي تعطيني المال من أجلك... إسمك الأول أهمِد" فيرد عليها "نعم ، أحمد" فتقول له أنت عربي. فيجيبها أحمد "نعم أنا من مصر" ترد هي بعفوية "واو .. من مصر .. أنت فرعون إذن"

كانت عباراتها الأخيرة حقيقية وليست للتخفيف من ارتباك أحمد، ففي ألمانيا يدرس الطلاب تاريخ مصر الفرعونية بشكل رائع.

يبتسم أحمد وقد هدأ قليلاً، وتمنى لو أن اللقاء كله يكون حول أي شيء آخر سهل بهذه الطريقة.

تسأله "هل سؤالك بخصوص المحاضرة السابقة" فيجيب "لا في الحقيقة إنه أمر شخصي"

فتقول هذا أفضل كثيراً ، لأنه لا يوجد شيء يستدعي الأسئلة في المحاضرة السابقة

نسي أحمد كل ما كان قد رتبه، وبدأ الكلام يصدر منه لكنه لا يتحكم فيه حقيقة. كما لو أنه أصبح شخصين، أحدهما يتحدث والآخر يستمع لما يقوله الأول.

قال لها: في الحقيقة أنا أفعل كل ما في وسعي منذ أربع سنوات حتى الآن حتى أستطيع أن أصل إلى دراسة الدكتوراة في موضع المادة السوداء وهيجز بوزونز، وذلك من منظور الرياضة أكثر من الفيزياء.

إعتدلت أ/إيفا في جلستها وقالت مرة أخرى "واو .. تريد أن تعمل مع بروفيسير إيكهارد إذن"

بروفيسير إيكهارد هو رئيس قطاع الأبحاث في CERN، وهو ألماني درس في جامعة هامبرج. لكنها حين تحدثت عنه تحدثت وكأنها تعرفه شخصياً.

أكملت حديثها .. هذا هدف رائع، لكن هل أنت جاهز لذلك؟

فقال لها "لهذا أنا هنا"، ثم أكمل كلامه "لا أقصد هنا في مكتبك فقط، ولكن هنا في TUM"

فقد اختار لي صديق والدي من كل الأساتذة في العالم سيادتك لأتتلمذ على يديكِ ولهذا كان كل أملي أن أصل إلى هنا إلى TUM

نظرت له أ/إيفا بصمت ربما لستة ثواني قبل أن تسأله وقد بدت جادة أكثر .. هل أنت جاهز لذلك حقاً

هل تمتلك الإرادة لتسير في هذا الطريق ؟ لا يجب أن يغرك المنصب الذي يصل إليه عالم أو اثنان من كل ألف

قد ينتهي بك الحال كأغلب الباحثين، لا يسمع بهم أحد، ليسوا أينشتاين ولا هِجز ولا فيليب أندرسون

كثيرون من الدارسين يفضلون الاتجاه إلى سوق العمل ليجنوا أموالاً كثيرة بجهد أقل بكثير

فيجيبها أحمد بأنه لا يهدف لكثير من المال، وإنما يريد أن يشبع رغبته في التعلم والمعرفة

يريد أن يبحث عن إجابات فيجدها .. هذا ما يريده

تفكر قليلاً .. ثم تقول إذن فأنت لن تمانع أن أضعك في اختبار صغير

مندفعاً بكل حماس قال لها .. لن أمانع بالتأكيد

فتحت شاشة جهازالحاسب، ونظرت للشاشة قليلاً، ثم قالت له اليوم ليس لديك أي محاضرات اليوم بعد الساعة الثالثة .. صحيح؟

فأجابها "نعم هذا صحيح" فسألته وهل لديك اي التزامات أخرى "فأجابها .. لا .. لا شئ مطلقاً"

فقالت له "إذن فلتكن عندي هنا في الساعة الثالثة وعشر دقائق لنتجه لكلية الطب سوياً مع بعض من زملائك هنا"

وأريد منك يوم الإثنين أن تأتي إلى المعمل في الساعة الثامنة صباحاً

"شكراً لحضرتك كثيراً " أجاب أحمد وقد هدأت كل طبول القلق التي كانت تدق في كل جسده لتحل محلها طبول من نوع آخر .. طبول الاستعداد أو ربما الحرب.

أخذ فنجان القهوة الخاص به، وبدأ بالخروج من المكتب وحين وصل إلى باب المكتب التفت لها وقال "بالمناسبة .. حضرتك نسيتي هاتفك عند ماكينة القهوة" وكان قد لاحظ أنها عادت من عند ماكينة القهوة من دون هاتفها.

فبحثت حولها ثم قالت له مبتسمة "شكراً لك"

الجزء الثاني عشر: (الإدراك)

كان خروج أحمد من مكتب أ/إيفا في حد ذاته سبباً للارتياح وبداية انحسار الأدرينالين في جسده. بدأ يستدعي ما حدث ويحاول أن يستوعب أنه كان جالساً للتو مع أ/إيفا. وأنها كانت تتحدث إليه. بدأ يسترجع حديثها معه. وكان حديثها - على قِصَره - يبدو مبعثراً وغير متصل في ذاكرته التي أرهقها الضغط الذي كان وقعاً تحته. كانت لديه محاضرة ستبدأ في الساعة العاشرة، بينما الساعة على هاتفه ما زالت التاسعة وخمس دقائق. وهو سعيد للغاية.

قرر الاتصال بك ليحكي لك ما حدث بالتفصيل، في ستة شهور من العام تقريباً يكون الوقت في ألمانيا مطابقاً للوقت في مصر، وبالتالي فقد كانت الساعة في مصر أيضاً التاسعة وستة دقائق تقريباً حين أعلن الهاتف عن اتصال أحمد.

عجيبة هي قدرة عقولنا على التفكير بسرعة، وعلى التفكير بشكل متوازي. فأنت حين تلقيت هذا الاتصال كنت تعرف تماماً أن موعد أحمد مع الأستاذة إيفا لم يبدأ بعد. وكنت تعرف جيداً أنه من الأفضل لأحمد إذا كانت لديه أسئلة أن يسأل ألفريد، وليس أنت. كنت تقول لنفسك هل يا ترى لم يجب ألفريد على هاتفه؟ ربما يكون في اجتماع. دارت كل هذه الأفكار في رأسك في الثانية التي فصلت جرس الهاتف عن استقبال المحادثة. تقول باستعجال واضح .. "أحمد هوا ألفريد مبيردش ولا إيه؟" فيرد أحمد عليك "لا أعرف لم أتصل به. ألا يرد على هاتفه؟" فترد أنت "أنا لا أعرف أيضاً .. ظننتك أنت اتصلت به فلم يجيبك"، فيقول أحمد "لم أتصل به، أنا أتصل بك لقد قابلتُها"

تأتي الجملة الأخيرة على غير ما توقعت أنت، تبعد الهاتف عن أذنك لتنظر إليه لتتعرف على الساعة، إنها التاسعة وست دقائق. هناك خطبٌ ما بالتأكيد.تعيد الهاتف لأذنك وتسأله "قابلتها قبل الموعد .. هل يحدث ذلك في ألمانيا؟"

فحكى أحمد لك كل ما حدث، وتسأله في النهاية "كلية الطب؟" فيجيبك "نعم كلية الطب"

وحين تسأله لماذا كلية الطب يجيبك بأنه لا يعرف، وسينتظر ليرى.

تقول له مازحاً "ألف مبروك يا بطل .. أستاذتك قررت من أول جلسة أنك لا تصلح لكليتها وواضح أنهاأصدرت قرار واجب النفاذ بنفيك من الكلية اليوم قبل غداً" يضحك أحمد على الجانب الآخر أكثر مما تستحق النكتة. فهناك عصير من السعادة يكسو الآن كيمياء مخه. فتؤدي أقل نكتة إلى ضحك أكثر بكثير مما تستحق.

في كل الأحوال يقول لك أحمد أنه سيتأخر في الاتصال اليوم لأنه سيكون في كلية الطب ولا يعرف متى ستنتهي هذه الزيارة التي لا يعرف عنها إلا موعد بدايتها.

بمجرد نهاية محاضرة أحمد في الساعة الثالثة توجه فوراً إلى معمل الأستاذة إيفا. هناك وجد نفس الأشخاص الذين شاهدهم بالأمس، غير أن ماتلدا الآن تجلس مع شخص جديد.

يفكر أحمد مع نفسه ويقول "يبدو أن هذا أحد زملائي الذين سيأتون معنا إلى كلية الطب .. جميل، لن أكون وحدي إذن"

يتجه في هدوء إلى الطاولة التي تجلس عليها ماتيلدا، فتسأله ماتلدا عن يومه، فيجيب أن كل شيء مر على ما يرام

تقدم له الزميل الجالس أمامها "بوريس .. طالب بالفرقة الثالثة ونحن بصدد نقاش شخصي، أستأذنك في أن تجلس على طاولة أخرى لبعض الوقت؟" رغم أن أحمد غير معتاد بعد على هذا الوضوح والبساطة في العلاقات فإنه ما زال في مرحلة الإدراك، وليس الاندماج.

هو مدرك لآليات الحياة الجديدة، لكنه لم يندمج فيها بعد. فهو لن يستطيع فعل الشيء نفسه لو كان في موقف ماتيلدا